فهرس الكتاب
معرفة الله، ليست من قبيل المعارف التي تحشى بها الرؤوس ويُتباهى بها في المجالس وتُطلب بها المغانم والمكاسب والمناصب، بل هي معارف تعيش في الأعماق، تكسب العقل عقلا والقلب انكشافا والسلوك وضوحا ومقصدا إنسانيا ظاهرا، يتجلى - كما يقول الصوفية على تنوّع مشاربهم في عشق مهيمن يطلب بموجبه العاشق هروبا من الفناء وتعلقا بالبقاء (1) بواسطة الارتباط العاطفي والأخلاقي والاجتماعي بالدين.
وما دام الدين مرتبطا بالوحي، ولا طريق إليه إلا النبوة، كانت منزلتها وستبقى سامقة، لما لها من أهمية في التأسيس للارتباط بالدين والتعرّف على مسالك العبودية، إذ لو تصورنا حبا للعبودية دون مسالك النبوة، لتصوّرنا المحال ولكانت العبودية سببا في الفرقة عوض أن تكون وسيلة توحيد، إذ ليس مستبعدا - مع التفاوت الثقافي والاستعدادات النفسية والعقلية - أن يتولّد الاختلاف ثم التنافر حال الغفلة عنها، بسبب عدم إمكان الاتفاق حول طريقة العبادة، فيكون الرسول ركنا ركينا في وحدة العبادة ومقاصدها الاجتماعية والحضارية.
إن العبودية لله في طريق النبوة تستمد فاعليتها في العقل والقلب - المترجم في موقف اجتماعي - بالتذكّر المستمر للمعاد، قال تعالى: { ومن جاهد فإنما يجاهد لنفسه إن الله لغني عن العالمين } العنكبوت 06، لما له (التذكّر) من قدرة على دفعنا لتنمية قدراتنا الإيمانية وتطوير وسائلنا الاجتماعية وإيجاد فاعليتها الحضارية.
لهذا كان بين الإيمان بالله والإيمان بالنبي والإيمان بالحشر والتصديق بوجود الكائنات تلازمًا قطعيًا، وارتباطًا تامًا للتلازم في نفس الأمر، بين وجوب الألوهية وثبوت الرسالة، ووجود الآخرة وشهود الكائنات بدون غفلة (2)
(1) - الخلود في الجنة، والذي يقتضي أن يكون قلبه معلّقا بالباقي.
(2) - المثنوي العربي النوري 86