فهرس الكتاب
يستشف برهان العدالة من سير الكون وثباته المستمر الهادف، إذ لا يمكن قبول تلك النتيجة الساطعة البيّنة الأشبه بالبديهية، ما لم نقبل بشكل قطعي بوجود العدالة والحكمة البالغة في جميع مظاهر الكون، ولوضوحها يعدّ إنكارها تناقض ما بعده تناقض يصل حدّ الجنون أو الغفلة المحكّمة على الأقل، لأنّ إنكارها في غاية الجنون والسفه، لأنّ الربّ السرمدي والسلطان الأبدي أظهر في الكون عدالة عالية غالية مشفوعة بآثار حكمة باهرة ماهرة، وعناية ظاهرة، ومرحمة واسعة جامعة، بدرجة يعرف باليقين مَن لم يكن على عينه غين وفي قلبه رين، أنّه ليس في الإمكان أكمل من حكمته، وأجمل من عنايته، وأشمل من مرحمته، وأجلّ من عدالته، فلو لم تكن في دائرة مملكته - في ملكه وملكوته - أماكن دائمة عالية، ومساكن قائمة غالية، وسواكن مقيمة خالدة، لتكون تلك الأمور مظاهر لتظاهر حقائق تلك الحكمة والعناية والرحمة والعدالة، للزم حينئذٍ إنكار هذه الحكمة المشهودة لذي عقل، وإنكار هذه العناية المبصرة لذي بصيرة، وإنكار هذه الرحمة المنظورة لذي قلب، وإنكار هذه العدالة المرئية لذي فكر، وللزم قبول كون صاحب هذه الأفعال الحكيمة الرحيمة الكريمة العادلة.. حاشا، ثم حاشا!.. سفيهًا لعّابًا وظالمًا غدّارًا، فيلزم انقلاب الحقائق. (1)
(1) - انظر المثنوي العربي النوري 99