فهرس الكتاب
ومن مظاهر البعد النفسي في درس مقاصد رسائل النور أنّ العمل بالمقاصد يدفع إلى التضحية، إذ يوجد العلم بها المؤسس للعمل بمقتضاها قوّة معنوية تساعد محصّلها على تحمّل التضحية، ودفع أشدّ الظلم النمرودي من أعداء الوطن والدين المستترين، ليس هذا فحسب، بل يجاوزه إلى تكييف تصرّفاته الغضبية ويضبطها بمقصد كلّي قوامه طلب رضا الله، فلا يواجه القوّة المادية بالردّ المادي التخريبي، مستمدا تلك القوّة المعنوية من القرآن الحكيم الذي علّمه تلك المعاني السامية، لأجل ألاّ يتضرّر تسعون بريئًا بسبب زنادقة ملحدين نسبتهم عشرة في المائة، ومن أجل المحافظة على الأمن والنظام في الداخل بقوته كلها، ومن أجل نصب حارس في قلب كل إنسان بدروس النور.ولولا ذلك، لانتقم الأستاذ النورسي-كما صرّح به - في يوم واحد من أعدائه الذين ظلموه مدة ثمان وعشرين سنة. فتراه لا يدافع ضد من يهين عزته وكرامته حفاظًا على الأمن من أجل الأبرياء، ويقول: أنا مستعد للتضحية بحياتي الدنيوية من أجل ملة الإسلام، بل حتى بحياتي الأخروية إن لزم الأمر. (1)
كما أنّ استحضار المقاصد في النظر إلى النفس والمجتمع يزيد الإنسان تضحية وبذلا وعطاء، فيطرد النظر التفكير في العزلة والانزواء، ذلك أنّه إذا ما فكّر كلُ واحد بأن ينزوي في زاوية مظلمة ليأمن خداع النفس الأمارة بالسوء - تلك العدوة الكبرى - ويأمن مكر شياطين الجن والإنس، وانسحب إلى زاوية النسيان أو أراد أن ينسحب إليها، وأهمل ما حلّ بالعالم الإسلامي والإنساني حتى لم يعد ينفع أحدٌ أحدًا، فالمطلوب أن نقوم بتبليغ إخواننا في الدين هذه الحقائق، لعل الله يعاملنا بفضله وكرمه بما يوافق جلال ألوهيته سبحانه. و لهذا من المفيد جدًا صرف النظر عن أنفسنا في تلك الأزمنة. (2)
(1) - سيرة ذاتية 463
(2) - الملاحق 20