الصفحة 2273 من 3036

كان النورسي مندفعا إلى التضحية في مباشرة التعامل مع الدنيا ومشاكلها في كنف نظرة تهيمن عليها العناية بالمقاصد السامية، فقد كان حينما اشتد خناق الأمراض وألوان الغربة وأنواع الظلم عليه، ووجد أن علاقاته تنفصم مع الدنيا لاح بين ناظريه أنّ الإيمان يرشده بأنّه مرشح لدنيا أخرى أبدية، وأنّه مؤهل لمملكة باقية وسعادة دائمة. ففي هذه الأثناء ترك كل شيء تقطر منه الحسرة ويجعله يتأوه ويتأفف، وأبدله بكل ما يبشّر بالخير والفرح ويجعله في حمدٍ دائم. ولكن أنّى لهذه الغاية أن تتحقق وهي غاية المنى ومبتغى الخيال وهدف الروح ونتيجة الفطرة، إلاّ بقدرة غير محدودة للقدير المطلق، يعرف جميع حركات مخلوقاته وسكناتهم قولًا وفعلًا، بل يعرف جميع أحوالهم وأعمالهم ويسجلها كذلك. وأنّى لها أن تحصل إلاّ بعنايته الفائقة غير المحدودة لهذا الإنسان الصغير الهزيل المتقلب في العجز المطلق، حتى كرّمه واتخذه خليلًا مخاطبًا، واهبًا له المقام السامي بين مخلوقاته. (1)

لقد وضعت الحكمة الإلهية ميلا وشوقا في الإنسان لإدامة النسل. ووضع أجرة لأداء تلك الوظيفة الفطرية، وهي اللذة. فالرجل ربما يتحمل مشاق ساعة لأجل تلك اللذة التي تدوم عشر دقائق - إن كانت مشروعة - بينما المرأة، تحمل في بطنها الطفل حوالي عشرة أشهر، مقابل تلك المتعة التي تدوم عشر دقائق، فضلا عما تتحمل من مشقات طوال عشر سنوات من أجل طفلها. بمعنى أن تلك اللذة التي تدوم عشر دقائق تزيل أهمية ذلك الميل الفطري، حيث تسوق إلى هذه المصاعب الكثيرة والمتاعب المستمرة. (2)

2 -تحمّل تبعات السير في مسلك الإيمان

(1) - الشعاعات 75

(2) - الملاحق 341

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت