فهرس الكتاب
نرى بين دلالة الحكمة على المقاصد ودلالة المقاصد على الحكمة تداخلا كبيرا، بحيث تكون كل واحدة منهما طريقا للأخرى فالزهر والثمر.. والحب والبذر.. معجزات الحكمة.. هدايا الرحمة.. براهين الوحدة.. بشائر لطفه.. في دار الآخرة.. شواهد صادقة.. بأنّ صانعها بكلّ شيء عليم.. لكل شيء قدير.. قد وسع كل شيء.. بالرحمة والعلم.. باللطف والتدبير. (1) ، فتشاهد كل نوع من آلاف الأنواع الأحياء التي تزيد على خمسين مليونًا على الكرة الأرضية، يلبس أقمصته المزركشة المنسقة ويبدّلها كل سنة، بل لا يبقى جناح واحد وهو عضو واحد من مئات أعضاء الذباب الذي لا يعد ولا يحصى، لا يبقى هذا العضو هملًا ولا سدىً بل ينال نور القصد والإرادة والحكمة. مما يدل على أن الأفعال والأحوال الجليلة للكرة الأرضية الضخمة - التي هي مهد ما لا يحد من ذوي المشاعر وحضارتهم ومرجعهم ومأواهم - لا تبقى خارج الإرادة والاختيار والقصد الإلهي، بل لا يبقى أي شيء خارجها، جزئيًا كان أم كليًا (2) .والنظر في الكتاب المسطور يؤكّد الحقيقة نفسها لقد تحوّلت بذلك النور حركاتُ الكائنات وتنوعاتُها وتغيراتُها من العبثية والتفاهة وملعبة المصادفة إلى مكاتيب ربانية، وصحائف آياتٍ تكوينية، ومرايا أسماء إلهية.حتى ترقّى العالمُ وصار كتاب الحكمة الصمدانية (3) ، كما أن النظر في مقصد التوحيد ييسّر لك فهم تلك الحكمة المتناثرة بإحكام في الكل.
تقرر أبعاد المقاصد أنّ للمقاصد السامية حال التزام بها آثارا عظيمة على الإنسان، كما أنّ الغفلة عنها أو إهمالها المطلق يأسر الإنسان بمقاصد تافهة تدمّر حياة الفرد والمجتمع، من هذا المنطلق نركّز على الآثار الإيجابية للعناية الفعلية بالمقاصد السامية، كما سنوضّح خطر إهمالها على الإنسان والمجتمع والأسرة الإنسانية.
سابعا:أهمية المقاصد في التأسيس للبعد الاجتماعي
(1) - المثنوي العربي النوري 475
(2) - الكلمة الرابعة عشرة 198
(3) - الكلمات 257