الصفحة 2342 من 3036

كان الفصل شتاء والفصل هذا طويل جدًا وقارس في هذه المدينة، إلا انه يتخلله اعتدال لطيف، فكنت اخرج مع الأستاذ في مثل هذه الأيام لنتمشى في المروج الخضراء. أما في المساء فقد كان يجلس في غرفته ويصحح الرسائل (1) ويقفل باب غرفته بعد صلاة العصر. وكان للأستاذ مدفأة صغيرة تكاد لا تدفئ الغرفة، مع منقلة صغيرة وكرسي خشبي، فكان يضع لحافه فوق الكرسي والمنقلة تحت اللحاف لكي يتدفأ بواسطته.

ومرت الأيام وإذا بالمفوض"نوري"يعود إلى عادته في إيذاء الأستاذ ومضايقته مرة أخرى. وعندما جاء ليفتش وضع يده داخل اللحاف عله يجد شيئًا فاحترقت يده حالا. فخجل من عمله أمام الأستاذ . فقال له الأستاذ:

-إن اسمك"حافظ نوري"وان اسم رسائل النور"النور". فاحذر! هذا تنبيه لك، ولا تقترب مني ثانية للتفتيش والتحري.

ولقد لاقى هذا المفوض كثيرًا من المصائب والأمراض حتى انه عندما أخذوه إلى (أنقرة) لتشخيص مرضه عجز الأطباء عن تشخيصه، فكان كلما رجع إلى"قسطموني"اشتد مرضه، وفي نهاية الأمر قالت له والدته وزوجته:

-لقد آذيت بديع الزمان كثيرًا فأصابك دعاؤه عليك. فما عليك إلا الذهاب إليه والاعتذار منه عمّا بدر منك من أفعال، فلا تتدخل بعد الآن بدروسه وكتبه. فجاء المفوض"نوري"مع عائلته إلى الأستاذ وسألوه العفو عما سلف والاعتذار منه. فقال لهم الأستاذ:

-إنني لم افعل به شيئًا، بل القرآن الكريم فعل به ما فعل.

ثم أعطاه رسالة (الحشر) ، ووعده المفوض بأنه سيقرأوها. ولكن بعد عدة أيام توفي"نوري" (2) .

* قبل أذان الفجر

(1) حيث كانت الرسائل تستنسخ باليد: وكان الأستاذ هو الذي يتولى تصحيحها خشية وقوع الأخطاء والتحريف لكونها تفسيرًا للقرآن. استمر الوضع هكذا حتى طبعت الرسائل سنة 1956 واشرف الأستاذ بنفسه على الطبع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت