الصفحة 2413 من 3036

أما الذين يتبعون الإمام الاعظم"أبو حنيفة النعمان"- رضي الله عنه - فهم بأكثريتهم المطلقة أقرب إلى الحضارة وحياة المدن المؤهلة لحياة اجتماعية، وذلك بحكم التزام أغلب الحكومات الإسلامية لهذا المذهب. فصارت الجماعة الواحدة في الصلاة كانها فرد واحد، وأصبح الفرد الواحد يتكلم باسم الجميع، وحيث إن الجميع يصدقونه، ويرتبطون به قلبا، فإنَّ قوله يكون في حكم قول الجميع، فعدم قراءة الفرد وراء الإمام بـ"الفاتحة"هو عين الحق، وذات الحكمة.."5"

وهكذا حاول الإمام النورسي في هذا المثال أن يومئ إلى البيئة التي تربى فيها هذان الإمامان العظيمان، تلك البيئة التي كان لها تأثير على اتجاهاتهما الفكرية سواء في اجتهاداتهم الإنشائية، أو في اجتهاداتهم الترجيحية بين النصوص كما هو الحال في هذا المثال، نعني أنه قد كان للبيئة أثر في ذهاب الإمام الشافعي - رحمه الله - إلى اختيار وترجيح وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة لكل فرد إماما ومأمومًا على القول بعدم وجوب قراءتها للمأموم مطلقا كما هو الحال عند الإمام ابي حنيفة - رحمه الله - ومرمى الإمام من تقرير مثل هذا الاتجاه يتمثل في تذكير اتباع المذاهب بالعوامل التي تضافرت وتكاثفت في ايجادها، وضرورة فهم المذهب في نطاق تلك العوامل بغية احسان التعامل معها إن موافقة أو مخالفة.

ودونما شك ليست البداوة أمرًا مشينًا في حد ذاتها، كما ان الحضارة ليست هي الأخرى أمرًا مشرفًا في حقيقتها، وليس أي منهما أفضل من الآخر، فلكل مزاياها وخصائصها، ولذلك فإنه لا ينبغي فهم المثال الذي أورده الإمام بأنه انتقاص من المذهب الشافعي ذلك المذهب الذي كان الإمام نفسه يعتنقه في الفروع، وكذلك لايصح أن يفهم من مثاله أنه اعتزاز بالمذهب الحنفي القائم وقتئذ في الدولة، فليس مثل الإمام النورسي ذلك الشخص الذي يخضع آراءه للمزايدات، أو التزلفات، أو إرضاء العباد دون رب العباد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت