فهرس الكتاب
وبالنسبة للمسائل عديمة النصوص - ظنية أو قطعية - فإنَّ الاجتهاد فيها يتطلب الحصول على معارف وخيرات وتراكمات معلوماتية مشرفة على إدراك وفهم مقاصد الشرع واهدافه من التشريع بصورة دقيقة مركزة قصد إلحاق تلك النصوص، أو لكونها مندرجة تحت قاعدة عامة، وأصل كلي، وغير ذلك، فمهمة المجتهد تجاه هذه المسائل أكثر حاجة إلى الفهم والضبط والدقة من مهمته في المسائل ذوات النصوص.
وأيا ما كان الأمر، فإنَّ مجال الاجتهاد في الفهم يظل محصورا في المسائل المشار إليها، نعني أنه إذا كان للاجتهاد من حق في خوض غمار النصوص وبحث عن أحكام للمسائل، فإنه لايتجاوز من حيث الفهم الحدود التي اشرنا إليها، فلايليق باجتهاد محترم من مجتهد معتبر أن يقتحم مجال القطع من النصوص ورودًا أو دلالة وبمجرد مايكون النص قطعيًا، فإنَّ معنى ذلك الا مجال للاجتهاد أي اجتهاد من حيث الفهم في المساس به..
واذ الأمر كذلك، فإننا نعود فنقرر بأن مبحث التصويب والتخطئة في الاجتهاد يدور رحاه في مجالات معينة أشار إليها الإمام النورسي إشارة غير مباشرة في ثنايا حديثه حول بعض القضايا الاجتهادية، ويمكن تلخيص تلك المجالات بعد استنباطها من مواضع مختلفة في الآتي:
المجال الأول: المسائل الفرعية:
ويراد بها المسائل التي ورد في شأنها نص، أو نصوص ظنية سواء من حيث الورود أو الدلالة، وقد ألمح الإمام النورسي إلى هذه المسائل في معرض تعنيفه على بعض أدعياء الاجتهاد في عصره، فقال ما نصه:
".. هؤلاء الضالون يرومون هدم الضروريات الدينية وتغييرها، فلو قالوا: نحن أفضل من المجتهدين لم تنته قضيتهم حيث إن ميدن المجتهدين النظر في المسائل الفرعية دون النصوص الشرعية"6
وقال في موضع آخر مشيرا إلى الفرق بين المسائل الفرعية ذوات النصوص الظنية - ورودا أو دلالة أو كلأهما - والمسائل الأصولية ذوات النصوص القطعية، وكون الأولى مجالا للاجتهاد: