فهرس الكتاب
ولكن النصين نصان في الدلالة على المسائل غير ذوات النصوص مطلقًا، ونعني أنهما ينصان على أن الاجتهاد سائغ ومطلوب في المسائل التي لم يرد فيها نص كتاب أو سنة مطلقا، ولم ينعقد إجماع من قبل على حكم فيها، ومهمة الاجتهاد حيال هذه المسائل تتمثل في استنباط أحكام لتلك المسائل من خلال الأصول الكلية، والقواعد العامة للشريعة، وذلك عن طريق فهم مركز لمقاصد الشريعة، واهدافها، وحسن تصور لدور الادلة التبعية من المصالح المرسلة، والاستحسان، وسد الذرائع الخ.. وليس بالضرورة في شئ وجود علة مشتركة جامعة بين هذه المسائل والنصوص المتضمنة الأصول الكلية والقواعد العامة للشريعة.
إذا، نستطيع أن نخلص إلى القول بأن عبارة الإمام النورسي شاملة لكلا المجالين اللذين يحق للاجتهاد الدوران في جنباتهما دونما وجل ولاخجل.
وإذا تبين لنا ذلك، أسرعنا إلى القول بأن مبحث التصويب والتخطئة جار على هذين المجالين، ومستوعب لمسائل هذين المجالين، لا اعتبار لذلك المبحث في نطاق المسائل ذوات النصوص القطعية ورودًا أو دلالة، وايما اجتهاد دفع بصاحبه إلى تجاوز ذينكما المجالين فإنه يؤدي به في النهاية إلى ركوب متن الشطط والانحراف عن الجادة، وربما فقدان أحد شروط صحة الاجتهاد المعتبرة الذي هو العدالة والورع، مما يجرد صاحبه في نهاية أمره من أهلية الاجتهاد واحقيته.
بناء على هذا يمكننا أن نقول - وبشئ كبير من الاطمئنان - بأن الإمام النورسي قد وفق تحديده غير المباشر لمجالات الاجتهاد، ولضبطه لمدار الإصابة والخطأ في الاجتهاد، وهو بصنيعه ذاك مدرك، ومستوعب بل تابع لعلماء أصوليين كبار عنوا بالتنصيص على هذه المجالات كالإمام الشوكاني الذي اجمل ماقاله من سبقه من أئمة علماء الأصول العظام، وهذا مقتطف لما ذكره الإمام الشوكاني في هذا المجال: