فهرس الكتاب
"هناك ثلاث نقاط تدعو إلى التأمل والنظر تجعل اجتهادات هذا العصر ارضية، وتسلب منها روحها السماوي بينما الشريعة سماوية والاجتهادات بدورها سماوية لإظهارها خفايا أحكامها. والنقاط هي الآتي:"
أولا: إن علة كل حكم تختلف عن حكمته، فالحكمة والمصلحة سبب الترجيح، وليست مناط الوجود، ولامدار الايجاد، بينما العلة هي مدار وجود الحكم.. وخلافا لهذه الحقيقة يتوجه نظر الاجتهاد في هذا العصر إلى إقامة المصلحة والحكمة بدل العلة، وفي ضوئها يصدر حكمه، فلاشك أن اجتهادا كهذا ارضي وليس بسماوي..
ثانيًا: إن نظر هذا العصر متوجه أولا وبالذات إلى تأمين سعادة الدنيا، وتوجه الأحكام نحوها، والحال أن قصد الشريعة متوجه أولا وبالذات إلى سعادة الآخرة، وينظر إلى سعادة الدنيا بالدرجة الثانية، ويتخذها وسيلة للحياة الأخرى ، أي أن وجهة هذا العصر غريبة عن روح الشريعة ومقاصدها، فلاتستطيع أن تجتهد باسم الشريعة..
ثالثًا: إن القاعدة الشرعية"الضرورات تبيح المحضورات"ليست كلية 24 لأن الضرورة إن كانت ناشئة عن طريق الحرام لاتكون سببا لإباحة الحرام. وإلا فالضرورة التي نشأت عن سوء اختيار الفرد، أو عن وسائل غير مشروعة لن تكون حجة ولاسببا لإباحة المحظورات، ولامدارا لأحكام الرخص.. وحيث إن أهل اجتهاد هذا الزمان قد جعلوا تلك الضرورات مدارا للأحكام الشرعية، لذا أصبحت اجتهاداتهم ارضية وتابعة للهوى، ومشوبة بالفلسفة المادية، فهي - إذا - ليست سماوية، ولاتصح تسميتها اجتهادات شرعية قطعًا.."25"