فهرس الكتاب
لامجال لقبول اجتهاد يتجاوز الواقع ويتجاهله مهما كان مصدره، فأي مجتهد يعمد في اجتهاده إلى تجاهل الواقع الذي ينزل عليه النص الشرعي، فإنه يرد إليه اجتهاده، ولايلتفت له هذا فيما لو كان حائزا على شروط تحقق الاجتهاد، وأماإذا لم يكن حائزًا على تلك، فإنَّ اجتهاده في أساسه مردود، ويزداد ردا في هذه الحالة، ولذلك انطلاقا من أهمية هذا الشرط، فقد أشار الإمام أن من أسباب منع فتح باب الاجتهاد ل أهل الاجتهاد في زمانه عدم معرفة أكثرهم بالواقع الذي يعيشون فيه، ذلك الواقع الذي يهدي معرفته إلى صرف الجهود أولا وقبل كل شئ على إقامة الضروريات الدينية وإحيائها في النفوس بدلا من إعادة النظر في الاجتهادات النظرية التي عني بها سلفنا الصالح والتي كان يرى الإمام أنها لاتضيق بها حاجات الزمان والمكان، فالواجب بناء على ذلك على كل من بلغ رتبة الاجتهاد الجهاد العملي على إقامة الضروريات، ولاينصرف عن هذا الواجب في نظره الا من لم يكن في حقيقة أمره أهلا للاجتهاد وان ادعاه، وفي هذا قال ما نصه:
".. إن الضروريات الدينية التي لامجال فيها للاجتهاد لقطعيتها وثبوتها، والتي هي في حكم القوت والغذاء قد أهملت في العصر الحاضر، واخذت بالتصدع، فالواجب يحتم صرف الجهود، وبذل الهمم جميعًا لإحياء هذه الضروريات وإقامتها، حيث إن الجوانب النظرية للإسلام قد استثرت بأفكار السلف الصالحين، وتوسعت باجتهاداتهم الخالصة حتى لم تعد تضيق بالعصور جميعًا؛ لذا، فأن ترك تلك الاجتهادات الزكية، والانصراف عنها إلى اجتهادات جديدة اتباعا للهوى إنما هو خيانة مبتدعة!"26
وقال في موضع آخر مبرهنا ومؤكدا على عدم فقه أهل الاجتهاد في زمانه بالواقع، وعدم إلمامهم بما يسمى بالفقه المرحلي مما دعاه إلى سد باب الاجتهاد في وجوههم: