فهرس الكتاب
ثالثا: إن إصرار الإمام على الدعوة إلى سد باب الاجتهاد النظري في عصره، لا ينبغي أن يفهم منه سوى رفضه التام لهذا النوع من النظر الاجتهادي في تلك المرحلة، وقد قدَّم بديلا عنه في اعتداده بضرورة الاكتفاء بما يعرف اليوم بالاجتهاد الجماعي، ولذلك دعا إلى تأسيس مجلس للاجتهاد أسوة بالمجالس المعروفة بالمجالس البرلمانية. وفي هذا تأكيد وتقرير بأن الاجتهاد الذي يسد به في تلك المرحلة هو الاجتهاد الفردي النظري البحت على حساب الاجتهاد الجماعي والاجتهاد التطبيقي.
رابعًا: ينبغي التفريق بين دعوة الإمام إلى سد باب الاجتهاد على أهل الاجتهاد في زمانه وكثير من الدعوات التي سمعتها دنيا الناس في التاريخ الإسلامي وجلجلت أصداؤها الجبال والوهاد، فدعوة الإمام كما أسلفنا - وإن كانت قريبة من الدعوات السابقة - اشبه ماتكون بتقييد للاجتهاد من أن تكون سدا ومنعا كليا من الاجتهاد كما هو الحال في الدعوات التي رددها كثير من علماء القرن الخامس والسادس تحت تأثير ضغط التقليد، وتمكينه في نفوس أكثرهم إلى درجة ان ادعى بعضهم على الله اعجازه الخلق من الاجتهاد في عصورهم وهذا ما قاله عالم الاقطار الشامية ابن ابي الدم:
".. لايوجد في البسيطة اليوم مجتهد مطلق هذا مع تدوين العلماء كتب التفسير والسنن والأصول والفروع حتى ملؤوا الارض من المؤلفات التي صنفوها.. ومع هذا، فلايوجد في صقع من الاصقاع مجتد مطلق، بل ولامجتهد في مذهب إمام تعتبر أقواله وجوها مخرجة على مذهب المامه، ما ذاك الا ان الله تعإلى اعجز الخلائق عن هذا اعلاما لعباده بتصرم الزمان، وقرب الساعة وان ذلك من اشراطها.."34 بل إن إماما بمنزلة الإمام الرافعي بلغ به تأثير التقليد إلى درجة ادعى فيها ان".. الناس كالمجمعين على أنه لامجتهد اليوم.."35.