فهرس الكتاب
فهؤلاء وغيرهم كثير - غفر الله لنا ولهم - انطلقت شرارة دعواتهم متأثرة ومتهيبة من آفة التقليد التي عملت فيهم عملها، ولانخال الإمام النورسي - رحمه الله - ممن اسره التقليد وانبهر بشعاعه، بل قد نال نفسه درجة الاجتهاد التي أهلته إلى أن يقول ما قاله، ولذلك لأمر ما انتهى في رسالته إلى وصف تلك الامور التي ذكرها بأنها موانع، وكانه بذلك يريد أن يقول إنه متى مازالت تلك الموانع فلا بد للماء من أن يعود إلى مجراه، و لا بد ل أهل الاجتهاد أن يملأ دنيا الناس اجتهادا ونظرًا، ذلك لأن المانع عند علماء الأصول يراد به:"مايلزم من وجوده العدم، ولايلزم من عدمه عدم ولاوجود لذاته"36، أي هو الشئ الذي يترتب على وجوده منع ما كان جائزًا، فكان الاجتهاد سواء كان نظريا أو تطبيقيا كان في أصله مشروعا بيدَ أنه يصبح محظورا بسبب وجود امور معتبرة، ويوم ما تزول تلك الامور وترتفع، فإنَّ الاجتهاد سيعود مشروعًا وجائزا، وهكذا. ودونما شك زوال تلك الامور وتبدلها ليس بأمر عسير جد عسير، وخاصة منها تلك التي تتعلق بشروط صحة الاجتهاد اعني شرطا التقوى والورع والعدالة، وحتى شرط معرفة علم الأصول هو الآخر ليس مستعصيا ولا أبديا، فيمكن أن يزول بالعودة الصادقة إلى التزود والتسلح بذلك العلم.
إذًا، كادت دعوة الإمام أن تكون دعوة إلى ترشيد وتقييد الاجتهاد لولا بعض الفقرات التي صرفت الدعوة إلى أن تكون صنو الدعوات إلى سد باب الاجتهاد مطلقا.