الصفحة 2470 من 3036

"كان الأستاذ يرتقي التلال التي تشرف على مدينة"إسبارطة"ليشاهدَ من فوقها مناظر الفطرة، ومشاهد الطبيعة، وكانت الطريق مكسوةً بأشجار الفواكه وبخاصة"العنب". فيمسك الأستاذ بعنقودٍ منها -دون أن يقطعه- وَيَعُدُّ حبَّاته مبينًا لنا ما فيه من بدائع الصنعة الإلهية والإتقان الربَّاني فيقول: انظروا وتأملوا في حلويات القدرة الإلهية هذه .. فكان يعلمنا هكذا كيف نفكر في مخلوقات الله المبثوثة في معرض الله.. وهكذا كنا نتلقّى دروسًا إيمانية في التدبر وِفْقَ منهج القراءة في كتاب الكون المفتوح أمامنا."

وذات يوم وقف على مقبرة وقال:"إنَّ شواهد هذه القبور الحجرية تذكّرنا بالآخرة، وتنذرنا. فهي كالمعلم الحي لنا. ألا ترون أن هذه الأحجار ترشدنا إلى دروس بليغة بلسان حالها، وكأنها تقول لنا: أنتم أيضًا قادمون إلى هنا.. لا مناص. هكذا كان يعلمنا كيفية التفكير في الأمور كلها". (1)

5-السلوك والخلود.

إنَّ السلوك البشري ذو المنظور الروحي المستهدي بفكرة الخلود الأبدي في عالمٍ أخروي. يبقى القاعدة الثابتة والمقيمة في أغوار النفس يعود إليها الإنسان المسلم مهما طوحَتْ به أحداث الزمن في دروب الحياة وشعابها ليستأنف دورة جديدة من عملية تزكية النفس وبنائها على ثوابت الإيمان، وبذلك يبقى المسلم في شدٍّ وجداني متيقظ لدواعي الانحرافات عن الثوابت إياها، فلا يسترخي ولا يستنيم، أو هكذا ينبغي أنْ يكون طوال حياته.

كما أنَّ الائتلاف بين الفضيلة والطبيعة، وبين الإيمان والكون، هو واحد من توكيدات"النورسي"التربوية على طلابه، ففي الإنسان تكمن روح الطبيعة، أو بعبارة أخرى روح"الفطرة"بطهرها ونقائها.

(1) - المصدر نفسه ص 97-98

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت