ثم إذا كان لكل حقيقة حياة قائمة بذاتها وهي لا تموت أبدًا حتى عندما لا يكون لها وجود في حياة الناس وفي أذهانهم وسلوكياتهم، فكذلك حقائق الإيمان فهي تبقى حيةً عندما تُقْفرُ العقول والقلوب منها، إلاَّ أنها تظلُّ تمارس الحياة في الخفايا المطوية من النفوس والأكوان وفي فضاءات القرآن الكريم، وكل ما تحتاجه لتظهر على السطح شيءٌ من التنبيه والتذكير، وحتى عندما تصمت لأي سبب من الأسباب بعضَ الوقت إلاَّ أن صمتها يظل همسًا يحاور أسماع القلوب والأرواح شاءت ذلك أم أبَتْ، ولا بدَّ أن تنتبه في لحظة ما وتبدأ الفهم وتذعن للتذكير فتبادل هذا الصامتَ المتكلمَ الحديث والحوار والفهم والإدراك.
غير أنَّ الناس وبخاصة شباب هذا العصر مشغولون بقضايا بعيدة عن نقطة المركز في دائرة وجودهم، بينما ينبغي أن تكون أولويات انشغالاتهم هي التركيز على هذه النقطة لأنها هي الأساس في بناء هذا الوجود وفي تكويناته النفسية والفكرية، فلياليهم وأيامهم سكرى بلذاذاتٍ لا تشبع، وعذابات من الحرمان لا تنتهي، وبشهواتٍ نَهَّاشةٍ لا تنفكُّ تنهش القلوب والعقول ولا تتركها إلا بقايا قلوب محطمةٍ، وعقول ممزقة، لأنَّ كُلَّ لذة تورث ألمًا إذا هي زالت -كما يقول النورسي- وكل فرح يورث حزنًا إذا مضى وانقضى، وكُلُّ وصال فهو إلى فراق، وكل اجتماع فهو إلى افتراق، فالمطلوب إذن لذة لا تزول، وفرح مقيم، ووصال دائم، واجتماع بالأحباب تحت سماء البقاء والخلود، وهذا ما لا يمكن أن يحظى به المرء إلاَّ في الإيمان والتربية الإيمانية التي تهيؤه لهذا الكسب العظيم الذي هو مطمح كل عاقل أريب.