ولا جدال في أنَّ إنسان هذا الزمان لا يستطيع مهما حاول أنْ يغمض عينيه، ويسُدَّ أذنيه عما يجري حوله من أحداث في هذا العالم الذي غدت الأمكنة فيه -بفضل التقنيات الحديثة- مكانًا واحدًا، والأزمنة زمانًا واحدًا. وصار العالم الوسيع قرية صغيرة كما يقولون يمكن أن يجوبه الإنسان خلال ساعات، فلا بدّ لهذا الإنسان الواقع تحت ضغوط هذه التقنيات المذهلة أن يهتمَّ بالعالم ويتابع أحداثه وَيُكِّونَ رأيًا حولها. إلا أنَّ أحداث"القلب والنفس"وما يخوضانه من تجارب. وما يتقلبان فيه من أحوال، وما يعتورهما من انقلابات وتقلبات، وما يحتربان من أجله، ويسعيان لبنائه، ينبغي أن يكون لهما سبق الاهتمام والتعرّف والفهم والإدراك، وأن تكون لهما الأولويات من التفكر قبل الخوض في مجريات العالم من حولهما، فانصباب الإنسان وانكبابه ينبغي أن يبدأ بخويصة نفسه، وبالسويداء من روحه، ثم ينتقل من هناك نحو الأوسع من الدوائر ثم الأوسع حتى يصل إلى دائرة العالم من حوله، وهذا هو الأساس في البناء الفكري والنفسي لطالب النور كما أراده"النورسي"وبهذا الخصوص يقول:
"إن رأس مال العمر قليل، ورحلة العمر هنا قصيرة، بينما الواجبات الضرورية والمهمات التي كُلّفنا القيام بها كثيرة، وهذه الواجبات هي كالدوائر المتداخلة المتحدة المركز حول الإنسان:"