فهرس الكتاب
إلاَّ أنَّ القلب المسكين الذي مُنِحَ حرية الاختيار قد يَضِلُّ الطريق، وينحرف في سيره عن الغاية والهدف، فيتعلق بالضلال، وينجذب للأطياف، ويغرق في المجاز، ويشغف بالاستعارة، بينما الحق والحقيقة تظلُّ في متناول إدراكه، وهي أقرب إليه من حبل الوريد، وأقرب مِمَّا يتوهمه من أوهام ويسبح فيه من خيالات فيجره ذلك إلى الاستغراق في أهواء حسيَّةٍ جسدية تبدد فيه من الطاقات الخارقة ما كان يمكن أن يدير أجنحة أعظم أشواقه إلى صاحب الجلال والجمال الحقيقي، الذي كُلُّ جمال وجلال في هذا العالم إنما هو ظلٌّ من ظلال جماله، وقبسة من نور جلاله.
أما مراهقو السلوك الأرعن مِمَّنْ لم يحظوا بتربية إيمانية رشيدة، فشأنهم دائمًا التحويم حول خضر الدِمّنَ، والتلهي كالأطفال بالدُّمى، والوقوف على الرسوم والأطلال، والركون إلى الظلال، واصطحاب أشباح بلا أرواح، يجذبهم إلى ذلك ما في الهبوط السلوكي من سحر أسود وما في اقتراف الفسق من غباء أحمق، ولأنَّ هذه الممارسات تخالف الفِطَرَ السليمة، فأنها تعقب ردودَ أفعال نفسية حزينة مؤلمة، وشعورًا بالحِطّةِ والانحطاط وهذا هو الهلاك الروحي الذي حذَّر منه"النورسي"وعزا إليه ما نشاهده في السجون والمستشفيات والخمارات من مآسٍ إنسانية تفطّر القلب، وتملأه إشفاقًا وحزنًا.
إنَّ الرجل كُلَّ الرجل هو الذي يتجاوز هذه المراهقات السلوكية الفجَّة، ويعلو فوقها، ويرتفع بظمأ قلبه وأشواق روحه إلى منابع الجمال الحق، والجلال الصدق، ليروي ظمأ القلب، ويطفئ لهب الروح، فيسمو به الإيمان إلى بحار هذه المنابع ليَرِدَهَا ثمَّ يَصْدُرُ عنها وقد أطفأ غلَّةً وَبَلَّ أُوامًا..
يقول"النورسي"محذرًا: