فهرس الكتاب
والدعاءُ مُخُّ العبادة كما ورد في الحديث الشريف (1) ، فلا تتجلَّى العبودية بأصدق ما تكون وأخلصَ إلاَّ من خلال الدّعاء والضراعة، بل العبودية في حقيقتها ليست أكثر من هتفة دعاء من أعماق الروح، وصرخة ضراعة من قلبٍ مكلومٍ حزينٍ.
فعلى جناح الدعاء والتضرع تصعد الماهية الإنسانية إلى سماوات الرحمة، عاريةً من كل زيف، نقيةً من كل شائبة، فقيرةً من كل حول، مجرّدة من كل قوة، في الذُّل غارفةً، في المَسْكنَةِ غائصة، على أعتاب صاحب العزّة والجبروت متمرغة، فإذا تلطّف تعالى بالنظر إليها أجاب سؤلها، ومسح حزنها وجبر كسرها، وفرّج كربها.
فالله تعالى قد يبتلي عباده أحيانًا بالبأساء والضراء رحمة بهم وإشفاقًا عليهم، لكي يحوش الشاردين منهم إلى نفسه، ويقود النائين عنه إليه، ويذكّر الناسين، ويلفت انتباه الغافلين. يقول جلَّ شأنه: (ولقد أرسلنا إلى أُممٍ من قبلك فأخذناهم بالبأساء والضراء لعلّهم يتضرعون. فلولا إذْ جاءهم بأسُنا تضرّعوا ولكن قسَتْ قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون. فلمّا نَسُوا ما ذكِّروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أُتوا أخذناهم بغتةً فإذا هم مبلسون.فَقُطِعَ دابرُ القوم الذين ظلموا والحمد لله ربَّ العالمين) ( الأنعام: 41ـ45)
فالهتاف المنبعث من روحٍ معجونٍ بالآلام، والدّعاء المتفطّر من قلبٍ مكلومٍ حزين، هو الذي أنجى يونس عليه السلام من بطن الحوت، وحوّلَ نار النمرود على إبراهيم عليه السلام بردًا وسلامًا، وهو الذي سلّم موسى عليه السلام من فرعون، وهو الذي دَقَّ أبواب السماء، وهزَّ قوائم العرش واستنزل غَيْرَة الحق تعالى لينصر نبيّه وحبيبه - صلى الله عليه وسلم - في واقعة"بدر الكبرى".
(1) انظر الأحاديث الواردة بهذا المعنى إلى: الترمذي، الدعاء30، تفسير القرآن3؛ إبن ماجة، الدعاء؛ المسند 4/71،76،267