الصفحة 2596 من 3036

لهذا فالبشر رغم خلقهم على ماهية معلومة ودور محدد في الحياة إلا أنهم ينحرفون عن تلك الماهية بفعل التربية أو الوضع الاجتماعي، وهذا ما نعمل على بيانه حين الحديث عن الصلة بين الماهية والحرية من جهة وصلتهما بالوظيفة الاجتماعية من جهة أخرى.

والإنسان بتلك الماهية وهب مفتاح العالم في يده ونفسه، فالكائنات مع أنها مفتحة الأبواب منغلقة، فالحق سبحانه أودع من جهة الأمانة في الإنسان مفتاحا يفتح به أبواب العالم، وطلسما يفتح به كنز خلاّق الكون. (1)

ولكنه يحافظ على تلك الماهية ويترقى من حضيض الحيوانية العاجزة الفقيرة الذليلة إلى أوج الخلافة بقوة ضعفه، وقدرة عجزه، و سوق فقره، وشوق فاقته، وشوكة عبوديته، وشعلة قلبه وحشمة إيمان عقله، ثم أنظر كيف صارت أسباب سقوطه من العجز والفقر والعقل أسباب صعوده بسبب تنورها بنور هذا الشخص النوراني" (2) إنسان الماهية الإنسان الخليفة."

فقد خلق الإنسان ليكون فاتحا وكاشفا، وبرهانا نيّرا، ودليلا مبصّرا، ومعكسا نورانيا، وقمرا مستنيرا للقدير الأزلي، ومرآة شفافة لتجلي الجمال الأزلي، وقد انجلت وتصيقلت بحمل الأمانة التي تدهشّت من حملها السماوات والأرض والجبال، إذ من مضامين تلك الأمانة صيرورة الإنسان واحدا قياسيا لفهم الصفات المحيطة. (3)

وبيّن أن الحديث في هذا السياق عن مطلق الإنسان في أصل خلقه، قال تعالى:"ولقد كرّمنا بني آدم"، فهي ماهية لجميع أصل بني آدم عندما أعدّهم خالقهم لعمارة الأرض والسير فيها باسمه والعمل بأمره، لهذا فهي بمثابة منبه أساسي لما من شأنه أن يؤسس للتقارب العملي بين بني آدم، بل ويدعوهم إلى المطالبة بالمساواة وتجسيدها العملي بالحجة حينا والتذكير في كثير من الأحيان، وقد رام بذلك التحقيق النظري والعملي للمساواة بما يأتي:

(1) /المثنوي العربي 227-228…229

(2) /المثنوي العربي 58

(3) /المثنوي العربي 303

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت