الصفحة 2600 من 3036

وما وقع البشر فيما وقعوا فيه من ويلات ومصائب إلا بسبب غفلة بعضهم وتكبّر وغفلة الآخر بقبول الاستخفاف، وما وقع في ذلك إلا حين نسيا الماهية أولا والنزوع إلى جزئه التافه على حساب جزئه العلوي، وكلتاهما جريمة لا تقل إحداهما شناعة عن الأخرى، من حيث كونهما غفلة عن التكريم الإلهي المجسّد في الماهية المحددة بالخلافة.

ثانيا: الماهية والوجود

يعرض النورسي المسألة في سياق الحديث عن حياة الكافر والملحد من جهة وحياة المسلم من جهة أخرى، يقول النورسي:"لأن الكفر جريمة كبرى، وجناية لا حدود لها، حيث أنه يهبط بقيمة الكائنات ودرجتها إلى هاوية العبث، يوهم عدم وجود الغاية من إيجادها.. إنه تحقير بيّن للكائنات كلها وإنكار لما يشاهد..) (1) "

يظهر مما سلف أن الكافر لا يتصور ماهية للوجود سواء تعلّق الأمر بالآفاق أو بالأنفس، ولا شك أن هذا الموقف أملته الرغبة في الدنيا والغفلة عن الآخرة، وهكذا الحال بالنسبة لسائر الغافلين عن الله تعالى، يظنون أنهم هم الذين يصنعون ماهياتهم، وبالتالي تكون الماهية بعد الوجود، ولا شك أنّ هذا الرأي مخالف لبدائه العقول وما دل عليه صحيح المنقول الصريح.

يتجلى مما سلف أن الماهية قبل الوجود في الفكر الإسلامي الأصيل يشهد لهذا المعنى أن الله تعالى خاطب الملائكة بماهية الإنسان قبل تحقيق وجوده العملي"إني جاعل في الأرض خليفة"، لهذا فالماهية لم يحققها الإنسان بعد الوجود بل حددها له خالقه قبل إيجاده الميداني.

(1) /الكلمات 64

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت