الصفحة 2605 من 3036

يشبه الإنسان البذرة فلقد وهبت أجهزة معنوية من لدن القدرة الإلهية وأدرجت فيها خطة دقيقة ومهمة جدا من لدن القدر لتتمكن من العمل داخل التربة، ومن النمو والترعرع والانتقال من ذلك العالم المظلم بلسان الضيق إلى عالم الهواء الطليق والدنيا الفسيحة.. فقد أودعت في ماهيته أجهزة مهمة من لدن القدرة الإلهية، ومنح برامج دقيقة وثمينة من لدن القدر الإلهي، فإذا أخطأ هذا الإنسان التقدير والاختيار، وصرف أجهزته المعنوية تحت قرى الحياة الدنيا وفي عالم الأرض الضيق الحدود، إلى هوى النفس، فسوف يتعفّن ويتفسّخ كتلك البذرة المتعفنة، لأجل لذة جزئية ضمن عمر قصير وفي مكان محصور وفي وضع متأزم مؤلم وستتحمل روحه المسكينة تبعات المسؤولية المعنوية فيرحل من الدنيا خائنا خاسرا. (1)

وجعله مخاطبا كليا له، ومرآة جامعة لأسمائه الحسنى.. فهل يقبل العقل، يعطي للإنسان أجرة دنيوية زهيدة، زهادة شعرة واحدة، مع أنه أناط به وبحواسه مهاما ووظائف هي بعدد شعرات رأسه؟ فهل يمكن أن يقوم بمثل هذا العمل الذي لا معنى له ولا مغزى خلافا لعدالته الحقة، ومنافاة لحكمته الحقيقية؟ سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا.

فهل يمكن أن يهب سبحانه للإنسان كل هذه الوظائف ثم لا يهب له غاياتها ونتائجها وثمارها وهي السعادة الأبدية؟ (2) ، إنه ضرب من المحال الذي ليس بعده محال ، لهذا يحدد النورسي في أكثر من موضع الغاية من وجود الإنسان والتي جعلت من حرية الإنسان لحمتها وسداها، بحيث لا يتصور وجود تصّرف سوي من إنسان غير حر، بمعنى لا يمكن تصوّر إنسان مهمل أو غافل عن ماهيته يتصرّف تصرفا سويا، إذ مجمل غايات الحياة المحددة في تسعة أمور دالة بنفسها على الحرية التي يتمتع بها الإنسان الذي أراده الله سبحانه وتعالى أن يكون خليفته (صارفا نفسه لما جعل له"خليفة الله") ، ويتجلى هذا الأمر فيما يعرف بتجليات الصلة بين الماهية والحرية.

(1) /م س362-363

(2) /م س94

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت