فهرس الكتاب
فما أن بدأت رسائله النورية تنتشر كانتشار خيوط القمر المنير في الليلة الليلاء، عبر خطوط المراقبة، وحواجز المكر، وموانع الطريق، ومخططات الطغيان، وسيطرة الجرائم، وزحف الرذيلة، فتغزو قلوبا خاوية، وتخترق أجسادا غافلة وتتسلل إلى عقول مسمومة، فتحييها بنور الإيمان، وتنشر فيها عطر القرآن، وبهجة السنة، وروعة الحكمة، وغالية المواعظ، بقلم سيال، وخيال مرهف، وعاطفة جياشة، وضمير نظيف، وفكر نير، وسلوك متواضع، حتى أحاط به الطغيان من كل صوب، يريدون منع هذا الخير عن الأمة الغافلة، بأساليب الغدر، ومسارب الخسة، وصنوف الارهاب، فينتقل الأستاذ الداعية، من نفي إلى نفي ومن سجن إلى آخر، وهو يزداد مع الأيام شموخا لا تلين له قناة، ولا تفتر له قوة، ولا يتأخر عنه مسعى، ولا ينال من عزمه المرض والجوع والحرب البدنية والنفسية المعلنة وغير المعلنة.
غير أن الله تعالى بالمرصاد للظالمين، وينصر عباده المؤمنين، ويعلى كلمة الحق والدين المبين، فيخرج هذا الإمام الجليل الممتحن من الصراع المرير الطويل، فيرى أزاهير ما بذر، ويحصد سنابل ما زرع، يتجسد في جيل صنعه الله تعالى على يديه، آلى على نفسه أن يعيش مؤمنا مباركا نظيفا، يعود إلى الذات، وينشد للأصالة، فيقدم رسائل النور التي غدت جزءًا عزيزًا من حياته، ومنهجا قرآنيا ساطعًا في سلوكه إلى دور النشر ودواليب المطابع في عهود الحرية، لتنتشر في كل مكان، وتنور جنبات كل بيت، بهمساتها الوديعة، وكلماتها الجميلة، ونسماتها الإيمانية، فتترجم إلى لغات إسلامية وغير إسلامية، ليعم الفكر الاصيل، والعلم النافع، والحكمة البالغة.
ولا يكتفي تلامذته الأوفياء بذلك، بل يخصصون أوقاتهم وأموالهم، لفتح مدارس تحفيظ القرآن، وتدريس الإيمان وإحياء الشريعة وتجديد الاخوة، وتوجيه السلوك، وحمل الدعوة.