فهرس الكتاب
لقد استطاع النورسي أن يحدد المشاكل الكبرى في حياة الأمة الإسلامية والإنسانية، فعالجها معالجة قرآنية من خلال أدلتها التفصيلية العقلية الفطرية، فحوّل عقيدة التوحيد بذلك إلى حياة مفعمة بمعاني الإخلاص والاستقامة والتضحية والسلوك والتربية الجماعية، فنجح نجاحًا باهرًا في إلحاق الهزيمة باللادينية في نفوس ملايين من الناس في تركيا في زمانه، وفي العالم بأسره بعد وفاته، عندما تُرجمت رسائله إلى لغات العالم الحية، فبدأت تغزو العقول والقلوب ليتوجه بها إلى ربّ العالمين، ويعيد الخطاب في المجتمع الإسلامي والإنساني إلى الله تعالى بعد أن حوله الملاحدة واللادينيون في العصور الأخيرة إلى الإنسان وحده.
إذن كان النورسي يعمل في العصر بتخطيط وعلم وقدرة وذكاء، ولم يكن ككثير من علماء زمانه يعيش في متحف التاريخ.
والآن لنعرض قضايا تفصيلية من خطته في تجديد الحياة الإسلامية في تركيا والعالم الإسلامي، وإنقاذ الإيمان الإنساني وانتزاعه بالبرهان العلمى والعقلي من بين براثن المادية التي كانت تجتاح العالم يومئذ.
* يعتقد النورسي أن التغيير الشامل في الحياة الإسلامية، لا بد أن يبدأ من البنى التحتية؛ المعنوية منها والمادية، وليس بوصفات مؤقتة لملأ الثغرات الخطيرة في البنيان الفوقى، أي إن التجديد يجب أن يدخل في الخلايا العميقة حتى تسترجع الأمة عافيتها. فاللادينيون ما تمكنوا من المجتمع التركي إلا من خلال فراغ داخلي في الأعماق. يظهر ذلك في ضعف الدين، وانحراف العقل وخواء الروح واضطراب الأحوال والهزائم النفسية.
وكان النورسي على يقين تام أن إصلاح الأعماق سيؤدي إلى وحدة العقيدة ووحدة الأفكار، ووحدة الصف ووحدة القلب ويقظة العقل، واستقرار الأحوال، وهو الذي سيحض المسلمين ويوقظهم أمام الحضارة الغربية التي أتتهم بعقيدة جديدة وأفكار جديدة. (1)
(1) - صيقل الإسلام - الخطبة الشامية