الصفحة 2708 من 3036

على أن الإمام النورسي صب انطلاقته العقيدية الإيمانية القرآنية في تلامذته، كي ينتهي توترهم إلى الراحة والاستسلام والذلة بين يدي رب العالمين. والجدير بالذكر أن انطلاقته لم تكن عقلية جدالية منطقية جافة مركبة، منابعها تختفي تحت ركام الأودية الملتوية التي تمر على ارض تشوبها الشوائب المعدنية الكريهة الرائحة، ولكنها كانت انطلاقة قرآنية تضع الإنسان عامة والإنسان المسلم خاصة أمام كينونتها عقلا وقلبا وروحا ونفسا، في امتزاج رائع وتركيبة متوازنة.

وفي ضوء ذلك ارجع النورسي هوية الإنسان إلى قلعتها، ينظر منها إلى العالم، عاليا لا متعاليا، مشفقا على البشرية من الأمراض الحضارية النمرودية والفرعونية التي خلخلت كيانها وأسلمتها إلى سبل الشيطان التي حذرنا منها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

لقد أدرك اللادينيون أن الهجوم الكاسح على قلعة العقيدة من شأنها أن يسلب المسلمين قاعدتهم التي ينطلقون فيها إلى بناء الحياة في ظل مذهبية الإسلام في الوجود. فإذا انحرفوا في العقيدة، وسلب منهم إيمانهم، حينئذ سيذوبون في مبادئ الغرب وقيمه النسبية والأخلاقية المزعزعة المبنية عليها. فسحب النورسي البساط من تحت أقدام العلمانيين، فتوجه إلى قلعة الإيمان وفرش رسائله كلها أمامها، مستعينا تارة بقوانين الحس وأخرى بسنن العقل، منتهيا بحجج الوحي الذي يعرضها القرآن الكريم عرضا مختبريا مقنعا للعقول السليمة.

كل ذلك من خلال ذكائه الحاد وعلمه الغزير وقدرته السَرَيانية النافذة في خلايا المخلوقات، ومناقشاته المنطقية وتحليلاته الفلسفية الفطرية دون الاستعانة بمصطلحات العلوم العقلية الجافة.

ولقد كان هذا المنهج مباركا، لأنه حدد هوية الإنسان المسلم بما يأتي:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت