الصفحة 2743 من 3036

والمهم ههنا أن ننظر في دراستنا لمصطلح (التوحيد) في كليات رسائل النور: كيف نجح بديع الزمان في جعله وسيلة فعالة لتجديد الدين في المجتمع، وكيف سلك به مسلك السالكين من أرباب القلوب دون أن يقع في كثير من ضلالات الصوفية وشطحاتهم، وأن يقدم التوحيد بعد ذلك - من خلال تجربته الذوقية - لكن كما عرضه القرآن، بسيطا وعميقا في الآن نفسه!

إن مشكلة كثير ممن تصدوا لهذا الشأن عرضوا التوحيد على الأمة من حيث هو عقيدة تصورية ذهنية فقط، ولم يعرضوه على أنه - قبل ذلك وبعده - عقيدة وجدانية ذوقية!

إن بديع الزمان النورسي قد عرض لعقيدة السلف بأقسامها الاستقرائية: (توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، وتوحيد الأسماء والصفات) من خلال عمقها التربوي القرآني، فربط بين ذلك كله في نسق عجيب، هو ما سماه في نهاية المطاف بـ (التوحيد الحقيقي) .

إن المشكلة أن الأمة تفرقت في ذلك إلى خطين كبيرين بين إفراط وتفريط: الأول طريق أهل الكلام وهم أصحاب النظر العقلي في الاعتقاد، لم يكن معهم في الغالب جمال الذوق، ونوره؛ بسبب إغراقهم في التصورات المجردة، والتدقيقات المعقدة دون الاشتغال بأحوال القلوب. والخط الثاني طريق المتصوفة وهم الذين طرحوا الكلام واشتغلوا بأدواء النفوس وأحوالها، ولكن مع إهمال لقواعد العلم وأصوله؛ فنشأ عن هذا - عند الفريقين - ضلالات وبدع، قد تصل في بعض الأحيان إلى درجة الكفر والعياذ بالله!

وما رأيت أشبه ببديع الزمان النورسي - في هذا الشأن من الجمع بين خير ما عند الفريقين - من ابن القيم رحمه الله، في كتابه مدارج السالكين وغيره من كتبه رحمه الله. فقد كان بحق محتسب الصوفية، لكن بغير إفراط ولا تفريط.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت