فهرس الكتاب
فهذا التعريف استفدناه من نصوص كثيرة جدا، أورد فيها النورسي رحمه الله (شروحا) للتوحيد، وبيانات ومثالات للإيضاح، ركبنا منها هذا التعريف الذي نحسب أنه أجمعُ لما أراده رحمه الله من مفهوم (التوحيد) بالمعنى الثاني. قال: (التوحيد الحقيقي: وهو الإيمان بيقين أقرب ما يكون إلى الشهود بوحدانيته سبحانه، وبصدور كل شيء من يد قدرته، وبأنه لا شريك له في ألوهيته، ولا معين له في ربوبيته، ولا ندّ له في مُلْكِه، إيمانا يهب لصاحبه الاطمئنان الدائم، وسكينة القلب؛ لرؤية آية قدرته، وختم ربوبيته، ونقش قلمه على كل شيء. فينفتح شباك نافذ من كل شيء إلى نوره سبحانه(...) ذلك التوحيد الحقيقي الخالص السامي!) (1) . فرغم قول النورسي في شرحه للتوحيد الحقيقي إنه: (الإيمان بيقين أقرب ما يكون إلى الشهود) كما رأيت؛ إلا أنا مع ذلك اخترنا استعمال عبارة (مشاهدة) ؛ لأن (توحيد) بديع الزمان رحمه الله كان يقوم على (المشاهدة) حقيقة، (مشاهدة) مفيدة لليقين، والقطع بوحدانية الله تعالى في ألوهيته وربوبيته سبحانه. قال رحمه الله في رسالته (قطرة من بحر التوحيد) : (فما كتبتُ إلاّ ما شاهدت! بحيث لم يبق لنقيضه عندي إمكان وهمي!) (2) وكثيرا ما كان يقول عند بداية عرض بعض صور التوحيد، وأدلته، أو عند ختم ذلك: (هكذا شاهدت!) (3) .
و (المشاهدة) لدى النورسي: مفهوم يقوم على الرؤية البصرية والعقلية، فالقلبية. إذ ينظر إلى الأشياء وسائر المخلوقات، نظرا ينفذ من خلالها إلى أسماء الله الحسنى، من حيث إن المخلوقات تجليات لأنوارها؛ فيرى بعد ذلك بعين القلب رؤية اليقين انفراد الله تعالى بالربوبية والألوهية. قال رحمه الله: (إن التوحيد توحيدان:
-الأول: توحيد عامي، يقول:"لا شريك له، ليس هذه الكائنات لغيره"فيمكن تداخل الغفلات، بل الضلالات إلى أفكار صاحبه.
(1) الكلمات: 1/326.
(2) المثنوي العربي: 6/104.
(3) المثنوي العربي: 6/158.