فهرس الكتاب
-والثاني: توحيد حقيقي، يقول:"هو الله وحده، له الملك، وله الكون، وله كل شيء"فيرى سكته على كل شيء، ويقرأ خاتمه على كل شيء؛ فيثبته له إثباتا حضوريا، فلا يمكن تداخل الضلالة والأوهام في هذا التوحيد!) (1) . فقوله عن التوحيد العامي بأنه توحيد من يقول: (لا شريك له، ليس هذه الكائنات لغيره) ليس مقصودا بالمعنى العباري للكلمة، وإلا فكل التوحيد في الإسلام قائم على هذه الكلمة وما يشبهها، بل المراد أنه من يقف عند حدود ظاهر النفي، ولا يمتد وجدانه إلى مشاهدة الإثبات وتجلياته! أي أن كلمة (لا إله إلا الله) قد يقولها شخصان، الأول منهما: لا يستقر بوجدانه منها غير أن الوجود لا يرجع في شيء من جزئياته وكلياته إلا إليه تعالى، وهو معنى حسن، لكن غير كامل. وإنما الأكمل الثاني: وهو من يستصحب ذلك المعنى، ثم يضيف إليه تجليات الإثبات وهو التعرف إلى ما بعد (إلا) ، أي: الله جل جلاله، وذلك بمشاهدة جلال ربوبيته تعالى وجمال ألوهيته على العالمين. ولذلك قال بعدُ: (فيرى سكته على كل شيء، ويقرأ خاتمه على كل شيء؛ فيثبته له إثباتا حضوريا!)
فرؤية (السكة) ، وقراءة (الخاتم) ، هو النظر البصري المتصل بالقلب، وكذا الإدراك العقلي، لطبيعة الكائنات، الدالة على الله عز وجل. وأما (الإثبات الحضوري) فهو الشهود القلبي، الذي ينافي الغفلة. قال في نص آخر: (وأما التوحيد لأهل الحقيقة؛ فإنما يَثْبُتُ بأن يُثْبَتَ كل شيء مما يشاهد من الأشياء ويسنده إليه سبحانه، ويرى فيه سكته، ويقرأ عليه خاتمه جل جلاله. وهذا الإثبات يثبت الحضور، وينافي الغفلة!) (2) .
(1) المثنوي العربي: 6/40.
(2) المثنوي العربي: 6/346.