فهرس الكتاب
وهذا يعني أن الجمال الذاتي والكمال الذاتي للصانع ذي الجلال، والحكيم ذي الجمال، والقدير ذي الكمال، يريدان الترحم والتحنن، فيسوقان اسمَي"الرحمن، الحنان"إلى التجلي. والترحم والتحنن يسوقان اسمَي"الرحيم والمنعم"إلى التجلي، وذلك بإظهار الرحمة والنعمة معًا. والرحمة والنعمة تقتضيان شؤون التودد والتعرف وتسوقان اسمَي"الودود والمعروف"إلى التجلي فيظهران على المصنوع. والتودد والتعرف يحركان معنى اللطف والكرم ويستقرآن اسمَي"اللطيف والكريم"، في بعض نواحي المصنوع. وشؤون اللطف والكرم تحرك فعلَي التزيين والتنوير فتستقرىء اسمَي"المزيّن المنور"بلسان حُسن المصنوع ونورانيته. وشؤون التزيين والتحسين تقتضي معاني الصنع والعناية وتستقرىء اسمَي"الصانع والمحسن"في السيماء الجميل لذلك المصنوع. وذلك الصنع والعناية تقتضيان العلم والحكمة فيستقرئ المصنوعُ اسمَي"العليم والحكيم"في أعضائه المنتظمة الحكيمة. ولاشك أن ذلك العلم والحكمة تقتضيان أفعال التنظيم والتصوير والتشكيل، فيستقرئ المصنوعُ بشكله وبهيئته، اسمَي"المصوّر المقدّر"". (1) "
ثم لخص النورسي حديثه السابق في قوله:
"وهكذا خلق الصانع الجليل مصنوعاته كلّها، حتى يستقرئ القسمُ الغالب منها ولا سيما ذوي الحياة، كثيرًا جدًا من الأسماء الحسنى، وكأنه سبحانه قد ألبس كل مصنوع عشرين حلّة متباينة متراكبة، أو كأنه لف مصنوعَه ذلك بعشرين غطاء وستَره بعشرين ستارًا، وكتب على كل حُلة، وعلى كل ستار أسماءه المختلفة". (2)
ومن هذا وذاك يتضح أن كل مخلوق أيًا كانت منزلته ورتبته بين المخلوقات ينال من أسماء اللّه تعالى وصفاته القدر الكافي لإيجاده كائنًا متميزًا عن غيره. فتتجلى فيه بصور وأشكال متنوعة بتنوع أعضائه وأجزائه. ويظهر هو من خلالها كشاهد على دقة الصنعة الإلهية وتفردها وجمالها وكمالها.
(1) الكلمات ، النورسي، ص 752،751
(2) الكلمات ، النورسي، ص 753،752