فهرس الكتاب
"لو سافر شخص إلى أوروبا وهو جاهل بوسائل الحضارة الغربية جهلًا حقيقيًا، وعلاوة على ذلك فهو أعمى لا يبصر، ولو دخل هناك إلى جميع المعامل والمصانع، وأنجز أعمالًا بديعة في كل صنوف الصناعة، وفي أنواع الأبنية بانتظام كامل وحكمة فائقة، ومهارة بارعة تحيرت منها العقول، فلا شك أن من له ذرة من الشعور يعرف يقينًا: أن ذلك الرجل لا يعمل من تلقاء نفسه، بل هناك أستاذ عليم يلقنه ويستخدمه."
وأيضًا لو كان هناك عاجز أعمى مقعد قابع في كوخه الصغير، لا يحرك ساكنًا ادخل عليه قليل من حصو، وقطع من عظم، وشيء يسير من قطن، وإذا بالكوخ الصغير تصدر منه أطنان من السكر وأطوال من النسيج، وآلاف من قطع الجواهر ومع ملابس في أبهى زينة وأفخر نوع، مع أطعمة طيبة في منتهى اللذة، أفلا يقول من له ذرة من العقل: أن ذلك الأعمى المقعد ما هو إلا حارس ضعيف لمصنع معجز وخادم لدى صاحبه ذي المعجزات". (1) "
بلغ الرجلان الجاهل والأعمى من الضعف والعجز في قواهما الحسية والعقلية حد المنتهى، ومع ما أتيا من الأعمال ما هو من قبيل الخوارق والمعجزات التي يستحيل نسبتها أو إسنادها إليهما، بل ينسبها كل عاقل ويسندها إلى من له من كمال العقل والعلم والاقتدار على الصنعة مالا يستبعد منه شيء، وكذلك الحال مع حركة الذرات في حفنة التراب في نسبتها إلى اللّه تعالى من الحقائق التي لا يجادل فيها عاقل. يقول النورسي في مطابقة المثل مع تلك النسبة الربانية:
"إن حركات ذرات الهواء ووظائفها في النباتات والأشجار والأزهار والأثمار، التي كل منها كتابة إلهية صمدانية ورائعة من روائع الصنعة الربانية، ومعجزة من معجزات القدرة الإلهية، وخارقة من خوارق الحكمة الإلهية، لا تتحرك ولا تنتقل من مكان إلى آخر إلا بأمر الصانع الحكيم ذي الجلال، وبإرادة الناظر الكريم ذي الجلال."
(1) الكلمات ، النورسي، ص 654