فهرس الكتاب
ومثلما أن القصر والجسم الإنساني بناء متكامل في مجموعه، وكل جزئية فيه لها ارتباطات واسعة وقوية مع باقي الأجزاء، كذلك الكلمة الواحدة في القرآن لها معناها المستقل في الذهن عن باقي الكلمات، إلا أنها تعمل وضمن النسق والنظام العام بطريقة لا يمكن عزلها ولا انفصالها عن المجموع ككل.
أعظم إعجاز القرآن
إن كل جوانب الإعجاز للقرآن عظيمة، ولكن أعظمها منزلة وأعلاها رتبة، هي التي مثّل لها النورسي بقوله:
"لنفرض شجرة عجيبة في منتهى العلو والغرابة، وفي غاية الانتشار والسعة، قد أسدل عليها غطاء الغيب، فاستترت طي طبقات الغيب."
ومن المعلوم أن هناك توازنًا وتناسبًا وعلاقات ارتباط بين أغصان الشجرة وثمراتها وأوراقها وأزاهيرها - كما هو موجود بين أعضاء الإنسان - فكل جزء من أجزائها يأخذ شكلًا معينًا، وصورة معينة حسب ماهية تلك الشجرة.
فإذا قام أحد - من قبل تلك الشجرة التي لم تشاهد قط ولا تشاهد - ورسم على شاشة صورة لكل عضو من أعضاء تلك الشجرة، وحدّ له، بأن وضع خطوطًا تمثل العلاقات بين أعضائها وثمراتها وأوراقها وملأ ما بين مبدئها ومنتهاها، بصور وخطوط تمثل أشكال أعضائها تمامًا وتبرز صورها كاملة، فلا يبقى أدنى شك من أن ذلك الرسام يشاهد تلك الشجرة الغيبية بنظره المطلع على الغيب ويحيط به علمًا، ومن بعد ذلك يصورها". (1) "
إن كل ما في تلك الشجرة يدعو للعجب والاستغراب، فهي:
عالية علوًا بلغ حد النهاية.
وليست مألوفة ولا مأنوسة لأحد من الخلق.
وتمتد هنا وهناك شاغلة نطاقًا واسعًا.
ثم مع هذا فقد سترت أو أخفيت وأُبعدت عن الأنظار، فلا يراها أحد، فعدت من جملة ما غاب أو يغيب عن الأنظار.
وككل الأشجار فهناك ارتباط قوي وتعلق شديد بين جذع تلك الشجرة وبين فروعها وأزهارها وثمراتها، بحيث يشكل وحدة واحدة متكاتفة ومتعاونة فيما بينها، تكاتف وتعاون الأصل مع فروعه.
(1) الكلمات ، النورسي، ص 506