فهرس الكتاب
فإذا فرض أن رسامًا ما رسم صورة لتلك الشجرة المحجوبة بالغيب، بلغت في دقة تفاصيلها حد التطابق والتماثل معها، فليس لهذا إلا معنى واحد وهو مقدرته الفائقة على اختراق حجب الغيب ورؤيته المباشرة لها، وإحاطته بها علمًا ومعرفة.
ويرى النورسي أن أعظم درجة لإعجاز القرآن تشبه تلك الشجرة العجيبة، فيقول عنها:
"فالقرآن كهذا المثال أيضًا، فإن بياناته المعجزة التي تخص حقيقة الموجودات، قد حافظت - تلك البيانات الفرقانية - على الموازنة والتناسب، وأعطت لكل عضو من الأعضاء، ولكل ثمرة من الثمرات صورة تليق بها، حيث خلص العلماء المحققون - لدى إجراء تحقيقاتهم وأبحاثهم - إلى الانبهار والإنشداه، قائلين، ما شاء اللّه، بارك اللّه، إن الذي يحل طلسم الكون ويكشف معمى الخلق، إنما هو أنت وحدك أيها القرآن الكريم". (1)
وعلى أي حال فإن أعظم مرتبة لإعجاز القرآن وأعلى درجة، وكما يفهم من العبارة السابقة هي في كلامه المعجز، ودلالاته البينة، وحججه القوية المتعلقة بجوهر الوجود وحقيقة الموجودات، ولا يقف الإعجاز عند هذا، بل يتعداه إلى إفهام وتفهيم تلك الحقائق بيسر وسهولة، وبلا إفراط ولا تفريط.
وعندما وقف العلماء والحكماء على تلك الحقائق بأنفسهم بعد بحوث وتجارب مضنية، لم يملكوا إلا التسليم للقرآن بأنه وحده الذي يكشف حجب الغيب. ويزيل الغموض عن حقائق الكون، وبطريقة تتقاصر عندها همم العلماء والعارفين.
سمو القرآن
أن عظمة القرآن وعلو مكانته وفضله على غيره من الكتب السماوية، من الأمور التي لا خلاف عليها ومعلومة بالبداهة، ولكن عندما يستخدم المثل في تقدير حقيقة كهذه، فإن معناها ينحو منحى محسوسًا يجعلها في متناول اليد، وإثباتًا لذلك روى النورسي في بيان سمو القرآن وتفوقه على غيره من الكتب هذين المثلين.
فقال في الأول:
"أن للسلطان نوعين من المكالمة، وطرازين من الخطاب والكلام:"
(1) الكلمات ، النورسي، ص 506