فهرس الكتاب
فإذا عرفنا من التفسير السابق أن القرآن هو هذا الكون الواسع الجميل، وأن الرجل الأجنبي يمثل الفلسفة وطلابها، ويمثل العالم المسلم القرآن نفسه وطلابه، فإن الفارق الكبير بين الاثنين يتجلى في مقولة النورسي التالية:
"نعم، إن ذلك الفرقان الحكيم هو الذي يرشد الجن والإنس إلى الآيات الكونية التي سطرها قلم القدرة الإلهية على صحائف الكون الواسع ودبجها على أوراق الأزمنة والعصور، وهو الذي ينظر إلى الموجودات - التي كل منها حرف ذو مغزى - بالمعنى الحرفي، أي ينظر إليها من حيث دلالتها على الصانع الجليل، فيقول: ما أحسن خلقه، ما أجمل خلقه، ما أعظم دلالته على جمال المبدع الجليل، وهكذا يكشف أمام الأنظار الجمال الحقيقي للكائنات."
أما ما يسمونه بعلم الحكمة وهي الفلسفة، فقد غرقت في تزيينات حروف الموجودات، وظلت مبهوتة أمام علاقات بعضها ببعض، حتى ضلت عن الحقيقة، فبينما كان عليها أن تنظر إلى كتاب الكون نظرتها إلى الحروف - الدالة على كاتبها - فقد نظرت إليها بالمعنى الاسمي، أي أن الموجودات قائمة بذاتها، وبدأت تتحدث عنها على هذه الصورة فتقول: ما أجمل هذا بدلًا من: ما أجمل خلق هذا، سالبة بهذا القول الجمال الحقيقي للشيء. فأهانت بإسنادها الجمال إلى الشيء نفسه جميع الموجودات حتى جعلت الكائنات شاكية عليها يوم القيامة". (1) "
والمعنى الإجمالي أن حكمة القرآن توجه الناس دومًا إلى النظر للمخلوقات بنسبتها للّه، متجاوزة مظاهرها السطحية إلى حقيقة وجودها في دلالتها البينة والصريحة على خالقها ومبدعها، عندئذ يظهر جمالها كما هو عليه، جمالًا حقيقيًا وأصيلًا.
(1) الكلمات- النورسي ص 144،143