فهرس الكتاب
ولأجل هذه الحكمة بدأ هذا السلطان بتشييد قصر فخم شامخ جدًا. وقسمه بشكل بارع إلى منازل ودوائر مزينًا كل قسم بمرصعات خزائنه المتنوعة، وجمّله بما عملت يداه من ألطف آثار إبداعه وأجملها، ونظمه ونسقه بأدق دقائق فنون علمه وحكمته، فجهزه وحسنه بالآثار المعجزة لخوارق علمه". (1) "
فالسلطان إذن يريد بناء قصر لا شبيه له ولا مثيل ولا نظير. فيه تظهر ذاته وتتجلى بكل ما حظيت به من جمال وكمال، ويرى من خلاله ويعاين مصنوعاته ومخلوقاته من زاويتين متباعدتين:
الأولى: أن يراها هو ظاهرة على صفحة الوجود الخارجي رؤية ذاتية خاصة به وحده.
والثانية: أن يراها هو بنظر غيره رؤية تنسب لغيره ولها صفة الخصوصية نفسها التي لرؤيته الذاتية.
ثم روى النورسي ما فعله السلطان بعد أن اكتمل بناء قصره قائلاَ:
"وبعد أن أتمه وكمّله، أقام في القصر موائد فاخرة بهيجة تضم جميع أنواع أطعمته اللذيذة، وأفضل نعمه الثمينة، مخصصًا لكل طائفة ما يليق بها ويوافقها من الموائد، فأعد بذلك ضيافة فاخرة عامة، مبينًا سخاءًا وإبداعًا وكرمًا لم يشهد له مثيل، حتى كان كل مائدة من تلك الموائد قد امتلأت بمئات من لطائف الصنعة الدقيقة وآثارها، بما مد عليها من نعم غالية لا تحصى". (2)
أما دعوة صاحب القصر للمأدبة الحافلة بكل ما لذ وطاب من أصناف الأطعمة والمأكولات. فكانت عامة وشاملة لجميع من هم في مملكته وتحت سلطته، لم يستثن منهم أحد، ثم اصطفى من رعاياه دليلًا وهاديًا للمدعوين، وذلك وكما يروى النورسي:
(1) الكلمات - النورسي ص 129
(2) الكلمات - النورسي ص 130