فهرس الكتاب
فهؤلاء هم من ذوي النفوس المريضة والعقول السقيمة الذين صرفوا جل وقتهم في الإقبال على الأطعمة والمأكولات بإفراط مقيت، لا فرق عندهم بين الطيب منها أو الخبيث، متجاهلين تعليمات السلطان وتوجيهات معلمه، ومخالفين قواعد القصر وأنظمته بعناد الحمقى، فكان من الطبيعي أن يوقفوا عند حدهم، ويعاقبوا بعقوبات مفصلة عليهم، ولائقة بهم.
وأخيرًا علق النورسي على بيت القصيد من الحكاية، فقال مخاطبًا من كان يستمع إليه:
"فيا من ينصت معي إلى هذه الحكاية، لابد انك قد فهمت أن ذلك السلطان قد بنى هذا القصر الشامخ لأجل تلك المقاصد المذكورة، فحصول تلك المقاصد يتوقف على أمرين:"
أحدهما: وجود ذلك المعلم الأستاذ الذي شاهدنا، وسمعنا خطابه، إذ لولاه لذهبت تلك المقاصد هباءًا منثورًا، كالكتاب المبهم الذي لا يفهم معناه، ولا يبينه أستاذ، فيظل مجرد أوراق لا معنى لها.
ثانيهما: إصغاء الناس إلى كلام ذلك المعلم وتقبلهم له، بمعنى أن وجود الأستاذ مدعاة لوجود القصر، واستماع الناس إليه سبب لبقاء القصر، لذا يصح القول: لم يكن السلطان العظيم ليبنى هذا القصر لولا هذا الأستاذ، وكذا يصح القول: حينما يصيح الناس لا يصغون إليه ولا يلقون بالًا إلى كلامه، فسيغير السلطان هذا القصر ويبدله". (1) "
ومقصود النورسي أن السلطان شيد ذلك القصر تحقيقًا للأغراض والأهداف المبسوطة فيما شرحناه من قبل، أما تحققها بالفعل فمرهون بأمرين متلازمين لا فكاك بينهما ولا انفصال:
أولهما: الارتباط الوثيق بين المعلم الأستاذ وبين الأغراض التي بنى لأجلها القصر، إذ لولاه لكانت مثل كتاب مكتوبٍ بلغة لا علم لأحد بها. فتضيع فائدته سدى.
وثانيهما: أن في وجود ذلك المعلم وسماع الناس لكلامه وجود للقصر، ولولاه لما بنى القصر. ولما استنفدت الجهود في المحافظة عليه، أما في انصراف الناس عن المعلم فتحويل للقصر إلى غير ما كان عليه.
(1) الكلمات - النورسي ص 132