فهرس الكتاب
"لو كنت في حضرة سلطان أو في ديوانه، وقلت لمن حولك، لقد عينني السلطان عاملًا في الأمر الفلاني، وحينما طلبوا منك دليلًا على ادعائك أومأ السلطان بنفسه: أن نعم، إني جعلته عاملًا، ألا يكون ذلك شهادة صدق لك. فكيف إذا خرق السلطان - لأجلك - عاداته وبدل قوانينه لرجاء منك. أفلا يكون ذلك تصديقًا أقوى لدعواك وأثبت من قول نعم". (1)
يستفاد من المثل أن زعم الرجل بأنه خصص أو أُفرد وحده لوظيفة سلطانية، لا يسلم به أحد حتى ولو كان أمام السلطان، ما لم يؤيد زعمه ببرهان قاطع وحجة فاصلة لأي خلاف، ويكفي في تصديقهم له تصديق السلطان لقوله، أما إذا تجاوز التصديق. فخرق له الأعراف والعادات والتقاليد الجارية في مملكته، فإن ذلك أدعى للقبول والاعتراف من التصديق اللفظي.
وما فعله المصطفى صلى اللّه عليه وسلم عند دعوته لقومه كان من هذا النوع، يقول عنه النورسي:
"وكذلك كانت دعوى الرسول صلى اللّه عليه وسلم، إذ قال: إنني رسول من رب العالمين، وأما دليلي فهو أنه سبحانه يبدل قوانينه المعتادة بالتجائي ودعائي وتوسلي إليه، وهاكم انظروا إلى أصابعي، أنه يفجر منها الماء، كما يتفجر من خمس عيون، وانظروا إلى القمر، إنه يشق لي شقين بإشارة من إصبعي، وانظروا إلى تلك الشجرة كيف تأتي لتصدقني وتشهد لي، وانظروا إلى هذه الحفنة من الطعام كيف أنها تشبع مائتين أو ثلاثمائة رجل. وهكذا أظهر صلى اللّه عليه وسلم مئات المعجزات أمثال هذه". (2)
أي أن المصطفى صلى اللّه عليه وسلم لم يكتف فقط بالإعلان أنه مبعوث من عند اللّه، بل أردفه بإعلامهم أن اللّه سيغير له المألوف من عوائدهم تأييدًا وتصديقًا له في دعوته، وبطريقة يذعن لها العقل وتقبلها النفس.
ظهور معجزات محمد - صلى الله عليه وسلم - على الكائنات
(1) المكتوبات - النورسي ص 114
(2) المكتوبات - النورسي ص 115