فهرس الكتاب
وعلى الرغم من أن الفارق الوحيد بين الإيمان والكفر مردّه إلى تلك الحركة الاختيارية المسماة بالانتساب إلى اللّه بصفة أخص من صفة المخلوق، وهي صفة، إلا أنه يكمن وراءه أمر غير مفهوم، مهد النورسي في الكشف عنه بالمثال التوضيحي التالي:
"إن قيمة المادة تختلف عن قيمة الصنعة ومدى الإجادة فيما يصنعه الإنسان، فنرى أحيانًا القيمتين متساويتين، وقد تكون المادة أكثر قيمة من الصنعة، وقد يحدث أن تحتوى مادة حديد على قيمة فنية جمالية عالية جدًا، ويحدث أن تحوز صنعة نادرة نفيسة جدًا قيمة ملايين الليرات، رغم كونها من مادة بسيطة جدًا."
فإذا عرضت مثل هذه التحفة النادرة في سوق الصناعيين والحرفيين المجيدين، وعرفوا صانعها الباهر الماهر الشهير، فإنها تحوز سعر مليون ليرة. أما إذا أخذت التحفة نفسها إلى سوق الحدادين مثلًا، فقد لا يتقدم لشرائها أحد، وربما لا ينفق أحد في شرائها شيئًا". (1) "
والمعنى أن ثمن الأشياء وقيمتها بتقدير المقومين لها بالدرهم والدينار يتفاوت تفاوتًا عجيبًا، لا في ميزان العرض والطلب، وإنما في مدى ما بذل فيها من جهد، وما تحمله من معانٍ غاية في الروعة والجمال، إلى غيرها مما يزيد أو ينقص في قيمتها، ومع هذا وذاك تظل قيمتها الفعلية متوقفة ومرهونة بتقويم المقدرين لقيمتها من ذوي الخبرة والاختصاص.
وهكذا الحال مع الإنسان وهو الصنعة الربانية للخالق والصانع عز وجل، فإن قيمته الحقيقية تقدر وتقوم بما فيه من إيمان، فيقول النورسي:
(1) الكلمات- النورسي ص 349،348