فهرس الكتاب
"لئن كان دفع نصف ما يملكه المرء ثمنًا لقمار اليانصيب - الذي يشترك فيه أكثر من ألف شخص - يعد أمرًا معقولًا، مع أن احتمال الفوز واحد من ألف، فكيف بالذي يحجم عن بذل واحد من أربعة وعشرين مما يملكه في سبيل ربح مضمون، ولأجل نيل خزينة أبدية، باحتمال تسع وتسعين من مائة، ألا يعد هذا العمل خلافًا للعقل ومجانبًا للحكمة، ألا يدرك ذلك كله من يعد نفسه عاقلًا". (1)
وفي مثل آخر مطابق للمثل السابق، ومشابه له، ولا يختلف عنه في شيء، سعى النورسي لتصوير أهمية الصلاة وفضلها، ليس فقط كعبادة على رأس العبادات، بل كالثوب المفصل على مقياس العبد، وكوظيفة موافقة له، وملائمة لطبيعته، ومنسجمة مع فطرته وما جبل عليه، فروى قائلًا:
"كان في الحرب العالمية، وفي أحد الأفواج، جنديان اثنان:"
أحدهما مدرب على مهمته مجد في واجبه، والآخر جاهل بوظيفته متبع هواه، كان المتقن واجبه يهتم الاهتمام كله بأوامر التدريب وشؤون الجهاد، ولم يكن ليفكر قط بلوازم معاشه وأرزاقه، حيث إنه أدرك يقينًا أن إعاشته ورعاية شؤونه وتزويده بالعتاد، بل حتى مداواته إذا تمرض بل حتى اللقمة - إذا احتاج الأمر - في فمه إنما هو واجب الدولة، وأما واجبه الأساس فهو التدريب على أمور الجهاد ليس إلا، مع علمه أن هذا لا يمنع من أن يقوم بشؤون التجهيز وبعض أعمال الإعاشة كالطهي وغسل المواعين، وحتى في هذه الأثناء لو سئل ماذا تفعل؟ لقال إنما أقوم ببعض واجبات الدولة تطوعًا، ولا يجيب: إنني أسعى لأجل كسب لوازم العيش.
أما الجندي الآخر الجاهل بواجباته فلم يكن يبالي بالتدريب ولا يهتم بالحرب، فكان يقول: ذلك من واجب الدولة، ومالي أنا؟ فيشغل نفسه بأمور معيشته ويلهث وراء الاستزادة منها حتى كان يدع الفوج ليزاول البيع والشراء في الأسواق.
فقال له صديقه المجد ذات يوم:
(1) الكلمات- النورسي ص 17