الصفحة 400 من 3036

وأما تلك الحرب فهي مجاهدة الإنسان نفسه وهواه واجتنابه الخطايا ودنايا الأخلاق ومقاومته شياطين الإنس والجن، وإنقاذًا لقلبه وروحه معًا من الهلاك والخسران المبين.

وأما تلك الوظيفتان الاثنتان، فإحداهما منح الحياة ورعايتها، والأخرى عبادة واهب الحياة ومربيها والسؤال منه، والتوكل عليه والاطمئنان إليه". (1) "

إن عناصر التفسير تنصب على قضية واحدة تشغل بال الجميع، وتقف وراء معظم فروقات العباد للمنهج الرباني، وهي هم الرزق، وتدبير حاجات الحياة اليومية، وقد تصرف في أحيان كثيرة حتى عن الصلاة، وبطريقة توحي بالشك والارتياب في قدرة اللّه على توفير أسباب الحياة وقوامها، وهو ما نبه إليه النورسي بقوله:

"فالذي يترك صلاته لأجل هموم العيش مثله كمثل ذلك الجندي الذي يترك تدريبه وخندقه ويتسول متسكعًا في الأسواق، بينما الذي يقيم الصلاة دون أن ينسى نصيبه من الرزق يبحث عنه في مطبخ رحمة الرزاق الكريم لئلا يكون عالة على الآخرين فجميل عمله، بل هو رجولة وشهامة ضرب من العبادة". (2)

فمن يقلق ويحزن على رزقه وقوته إلى درجة تتشوش فيها نفسه، ويترك لشدة وقعها عليه الصلاة، يشبه جنديًا انصرف عن عمله متسولًا رزقه في اكثر أماكن الحياة ضجة وصخبًا، في حين أن من لا يغفل عن الصلاة يشبه الجندي المرابط في ميدان الجهاد، وهو على ثقة ويقين أن اللّه هو كافله وضامن رزقه، فلا يتعب نفسه في البحث عنه، وينصرف بكليته إلى واجبه.

الصارف عن الصلاة

يزعم البعض من قصيري النظر، ومن ذوي الهمم الضعيفة، أن ما يردهم عن الصلاة ويبعدهم عنها ويجعلهم كالمقصرين فيها، ليس أمور الحياة التافهة، بل ما تفرضه عليهم ضروريات كسب العيش ومطالبه الكثيرة. فمثّل لحالتهم تلك بقوله:

(1) الكلمات- النورسي ص 19

(2) الكلمات- النورسي ص 20

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت