فهرس الكتاب
"الفعل (قال) بصيغة المذكر إلى جماعة الإناث مع كونها مؤنثة مضاعفة، وذلك في قوله تعالى: { وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ } (1) بينما جاء الفعل قالت بصيغة المؤنث في قوله تعالى: { قَالَتِ الْأَعْرَابُ } (2) وهم جماعة من الذكور، مما يشير إشارة لطيفة إلى أن جماعة النساء الضعيفات اللطيفات تتخاشن وتتقوى وتكسب نوعًا من الرجولة، فاقتضت الحال صيغة المذكر، فجاء الفعل"قال"مناسبًا وفي غاية من الجمال."
أما الرجال الأقوياء فلأنهم يعتمدون على قوتهم، ولا سيما الأعراب البدويون، فتكون جماعتهم ضعيفة كأنها تكسب نوعًا من خاصية الأنوثة من توجس وحذر ولطف ولين، فجاءت صيغة التأنيث ملائمة جدًا". (3) "
فمع أن القول صادر في كلتا الحالتين عن جماعة تشكل وحدتها الذاتية قوة لها، إلا أن جماعة النساء ضعيفة بحكم تكوينها الخلقي، ولا تملك قدرة ولا قوى ذاتية، فتلجأ هي الأخرى إلى التكاتف والتعاضد، فيتحول ضعفها إلى قوة كالتي للذكور، فناسبها صيغة المذكر في الفعل.
أما الرجال فقوتهم الذاتية الطبيعية تجعلهم في حالة استغناء دائم لغيرهم. مما يتسبب في ضعفهم ضعفًا كالضعف الملازم للنساء. فناسبهم صيغة المؤنث في الفعل.
ثم عاد النورسي مرة أخرى ليلخص مجمل الحقيقة بقوله:
"نعم إن الذين ينشدون الحق لا يرون وجه الحاجة إلى معاونة الآخرين لما يحملون في قلوبهم من إيمان قوي يمدهم بسند عظيم ويبعث فيهم التوكل والتسليم، حتى لو احتاجوا إلى الآخرين فلا يتشبثون بهم بقوة، أما الذين جعلوا الدنيا همهم فلغفلتهم عن قوة استنادهم ومرتكزهم الحقيقي يجدون في أنفسهم الضعف والعجز في إنجاز أمور الدنيا، فيشعرون بحاجة ملحة إلى من يمد لهم يد التعاون، فيتفقون معهم اتفاقًا جادًا لا يخلو من تضحية وفداء". (4)
(1) يوسف/ 30
(2) الحجرات/ 14
(3) اللمعات - النورسي ص 234،233
(4) اللمعات - النورسي ص 234