فهرس الكتاب
"نعم إذا شاهد ذلك العاشق المجازي لوجه الدنيا الفاني، قبح الزوال ودمامة الفناء على ذلك الوجه، فأعرض عنه، وبحث وتحرى عن محبوب باق لا يزول، ووفقه اللّه للنظر إلى وجهي الدنيا الجميلين - وهما مرآة الأسماء الحسنى، ومزرعة الآخرة - انقلب حينئذ العشق المجازي غير المشروع إلى عشق حقيقي، ولكن بشرط ألا يلتبس عليه، دنياه غير المستقرة المرتبطة بحياته بالدنيا الخارجية، إذ لو نسى نفسه نسيان أهل الضلالة والغفلة وخاض في غمار آفاق الدنيا وظن دنياه الخاصة كالدنيا العمومية فعشقها، فإنه يقع في مستنقع الطبيعة ويغرق، إلا من أنجته يد العناية نجاة خارقة للعادة". (1)
يعني إذا تبين لذلك المحب عن تجربة حية الوجه الحقيقي للدنيا. أي الوجه القبيح المتمثل في زوالها وسرعة فنائها وفي فراقه هو لها، وانصرف عنها، ثم اتجه بكليته إلى دنيا جميلة ذات بعدين:
الأول حيث تتجلى فيه وعلى صفحته الخارجية أسماء اللّه تعالى وصفاته
الثاني يجعلها موضعًا لأعمال تدخر له يوم القيامة.
عندئذ يتحول حبه لها إلى حب حقيقي ينال به خير الدنيا الزائلة، وخير الآخرة الباقية، شريطة أن يوازن موازنة دقيقة وشاملة بين حياتين ودنيتين الزائلة والباقية حتى لا يختلط عليه أمرهما، فيتحول دون وعي منه ولا إدراك إلى حب الأولى حبًا يبلغ حد الإفراط الذي يؤدي به لا محالة إلى الهلاك والبوار.
ثم دعا النورسي سائله إلى النظر في ذلك الحب المفرط على ضوء المثال التالي:
"هب أننا نحن الأربعة دخلنا غرفة، على جدرانها الأربعة مرايا كبيرة كبر الحائط، فعندئذ تصبح تلك الغرفة الجميلة خمس غرف، إحداهما حقيقية وعمومية، والأربعة الأخرى مثالية وخصوصية، وكل منا يستطيع أن يبدل في شكل غرفته الخاصة وهيئتها ولونها بواسطة مرآته. فلو صبغناها باللون الأحمر، فإنها ترى الغرفة حمراء، ولو صبغناها باللون الأخضر فإنها تريها خضراء."
(1) المكتوبات - النورسي ص 12