الصفحة 494 من 3036

توجد في الإنسان كثير من قوى الخير والحق، كامنة فيه كمون الماء في العود الأخضر، قد لا تظهر في كثير من الأحيان إلا بعد جهد ومشقة، ولكن ظهورها منوط بوجود عوامل تبعث على أثارته وحضه وإغرائه بالحركة، وعلى رأس تلك القوى الشياطين، ولولا تلك المجاهدة لظلت وكما يقول النورسي:

"مرتبة الإنسان ثابتة كالملائكة، وعندها ما كانت لتظهر تلك الأصناف السامية من الناس التي هي بحكم آلاف من الأنواع في النوع الإنساني". (1)

فوجود الشياطين على هذا فيه خير كثير، فهو الذي جعل من الإنسان إنسانًا يعبد اللّه بالتكليف، أي بمشقة وجهد، وهو في حركة دائبة ينتقل فيها بين الخير والشر، وليس كالملائكة، كما أن وجودهم أدى إلى بروز صفة من عباد اللّه يتصدون لشرورهم ويصلحون من أمر الناس.

ومثل لهم النورسي بقوله:

"شخص لديه ألف وعشر من البذور، زرعها في التراب، فجعلها تتعرض للتفاعلات الكيماوية، فإذا أنبتت عشر من البذور وأينعت، فإن المنافع الحاصلة منها تفوق بلا شك، خسارة آلاف البذور التي تعرضت للفساد والتلف". (2)

يعني أن الخير القليل الذي يجنيه الزارع من الكم الهائل من الحبوب المزروعة لا يساوي ما ضاع وتلف، بل يزيد عليه كيفًا ونوعًا، بما لا مجال فيه للمقارنة بينهم.

ثم علق على المثل قائلًا:

"وهكذا فإن المنافع والمنزلة والأهمية التي حازتها البشرية من عشرة أشخاص كاملين يتلألئون كالنجوم في سمائها. والذين أخذوا بيد الإنسانية إلى مراقي الفلاح، وأضاءوا السبل أمامهم وأخرجوهم إلى النور بمجاهدتهم للنفس والشيطان، لا شك أنها تزيل ما يلحق بها من الضرر الناجم من كثرة الداخلين في حمأة الكفر من الضالين الذين يعدون من جنس الحشرات لتفاهتهم ودناءتهم. لهذا فقد رضيت العدالة الإلهية وحكمتها وسمحت الرحمة الربانية بوجود الشياطين وتسلطها". (3)

(1) اللمعات - النورسي ص 111

(2) اللمعات - النورسي ص 111

(3) اللمعات - النورسي ص 111

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت