فهرس الكتاب
"من يبنى قصرًا عظيمًا يضع في كل حجر فيه آلاف النقوش والزخاف، وفي كل زاوية فيه آلاف الزينة والتجميل، وفي كل غرفة فيه آلاف الآلات الثمينة والحاجيات الضرورية، ثم لا يبنى له سقفًا ليحفظه". (1)
فعلى الرغم من أن صاحب القصر لم يألوا جهدًا في الوصول به إلى حد الكمال، إلا أن القدر القليل الناقص فيه يسمه بسمة القبح، وتظل صفة من أدق الأوصاف المعبرة عن حقيقته الحالية. إن إنجاز جزء كبير من العمل يعد أسوأ من عمل لم يبدأ فيه. أما العمل الناقص فهو في حكم اللعب والهزل. ومعاذ اللّه أن يصدر عنه العبث أو اللعب أو الهزل.
حياة الشهداء في البرزخ
ينعم اللّه على الشهداء الذين جادوا بأنفسهم رخيصة في سبيل اللّه بحياة شبيهة بحياتهم الدنيوية في البرزخ، حياة بلا آلام ولا متاعب ولا هموم، وفيها لا يعلمون أنهم ماتوا أو ارتحلوا عن الدنيا، بل نقلوا إلى عالم يتنعمون فيه بسعادة تامة خالية من الكدورات، ولا يشعرون كغيرهم من الأموات بفراق أهلهم وأحبتهم.
وشبه النورسي سعادتهم تلك بقوله:
"شخصان رأيا في المنام أنهما دخلا قصرًا جميلًا كالجنة:"
أحدهما يعلم أن ما يراه هو رؤيا، فاللذة التي يحصل عليها ناقصة جدًا، إذ يقول في نفسه، ستزول هذه اللذة بمجرد انتباهي من النوم.
أما الآخر فلا يعتقد أنه رؤيا، لذا ينال لذة حقيقية ويسعد سعادة حقيقية.
وهكذا يتميز كسب الشهداء في حياتهم البرزخية عن كسب الأموات منها". (2) "
إن الفرق الوحيد بين هذين الداخلين لتلك الجنة الصغيرة يكمن في اعتقادهما بنعيمهما وسعادتهما داخلها:
فالأول على يقين بأن ما فيه من سعادة ناتج عن رؤيا منامية، ومن ثم فإن متعته ولذته وإن كانت تامة وكاملة فهي ليست حقيقية، فسرعان ما تنقشع عندَ استيقاظه، ولا يبقى منها شيء.
(1) الكلمات - النورسي ص 90
(2) المكتوبات - النورسي ص 7