فهرس الكتاب
أحدهما قد رحل تسعة وتسعون بالمائة من أحبته إلى استانبول، وهم يعيشون هناك عيشة طيبة جميلة، ولم يبق منهم هنا سوى شخص واحد وهو أيضًا في طريقه إلى الالتحاق بهم، لذا فإن هذا الرجل مشتاق إلى استانبول أشد الاشتياق بل يفكر بها. ويرغب في أن يلتقي الأحباب دائمًا، فلو قيل له في أي وقت من الأوقات، هيا اذهب إلى هناك، فإنه سيذهب فرحًا باسمًا.
أما الرجل الثاني فقد رحل من أحبته تسعة وتسعون بالمائة، ويظن أن بعضهم فني، ومنهم من انزوى في أماكن لا ترى فهلكوا وتفرقوا حسب ظنه. فهذا الرجل المسكين ذو داء عضال يبحث عن أنيس وعن سلوان حتى عند سائح واحدٍ بدلًا من أولئك جميعًا، ويريد أن يغطي به على ألم الفراق الشديد". (1) "
فالرجل الأول لم يبق له حيث يقيم من أحبته أحد، ومن ثم فهو حريص أشد الحرص على اللحاق بهم، بل هو في حالة نزاع نفسي دائم إلى السفر حيث يقيمون، والالتقاء بهم بأسرع وسيلة ممكنة.
أما الثاني فقد مات من أحبته من مات، وتشتت الباقي في أنحاء الأرض، ولذلك فهو وحيد يعاني من مرض لا شفاء منه، ويسأل على الدوام من يخفف عنه آلام الوحدة والفراغ ويؤنسه في حياته الكئيبة الموحشة، حتى ولو كان من الغرباء.
ثم خاطب النورسي نفسه قائلًا:
"فيا نفسي، إن أحبتك كلهم وعلى رأسهم وفي مقدمتهم حبيب اللّه صلى اللّه عليه وسلم، هم الآن في الطرف الآخر من القبر، فلم يبق هنا إلا واحد أو اثنان، وهم أيضًا متأهبون للرحيل، فلا تديرنّ رأسك جفلة من الموت خائفة من القبر، بل حدّقي في القبر وانظري إلى حفرته بشهامة واستمعي إلى ما يطلب، وابتسمي بوجه الموت برجولة، وانظري ماذا يريد؟ وإياك أن تغفلي فتكوني أشبه بالرجل الثاني". (2)
(1) الكلمات - النورسي ص 192
(2) الكلمات - النورسي ص 192