الصفحة 546 من 3036

"نشاهد في الموجودات جميعها ولا سيما الأحياء منها افتقارًا إلى حاجات مختلفة ومطاليب متنوعة لا تحصى، وإن تلك الحاجات تساق إليها من حيث لا تحتسب، وتلك المطاليب تترى عليها كلٌّ في وقته المناسب، علمًا بأن أيدي ذوي الحاجة تقصر عن بلوغ أدنى حاجاتها، فضلًا عن أوسع غاياتها ومقاصدها. فكل كائن يشهد بفقره وحاجاته المقضية من غير حول منه ولا قوة على الواجب الوجود، ويشير بهما إلى وحدانيته تعالى. كما يدل عليه بمجموعه كدلالة ضوء الشمس على الشمس نفسها ويبين للعقل المنصف أنه تعالى في منتهى الكرم والربوبية والتدبير." (1)

والمخلوقات في علاقاتها المتشابكة مع بعضها البعض تنهض على أساس راسخ من التعاون والتساند، بحيث تسعى جميعها بتكاتف إلى غاية معينة، وهدف مقصود، فيدحض تعاونها وتساندها تمامًا ادعاءات المصادفة وأوهام الاتفاق، مما يدل دلالة أكيدة على وجود خالقها، يقول النورسي:

"إن التعاون الجاري الظاهر ابتداء من جري الشمس والقمر وتعاقب الليل والنهار، وترادف الشتاء والصيف، إلى إمداد النباتات للحيوانات الجائعة، وإلى سعى الحيوانات لمساعدة الإنسان الضعيف المكرم، بل إلى وصول المواد الغذائية على جناح السرعة لإغاثة الأطفال النحاف، وإمداد الفواكه اللطيفة. بل إلى خدمة ذرات الطعام لحاجة حجيرات الجسم، كل هذه الحركات الجارية وفق التعاون يُري لمن يفقد بصيرته كليًا أنها تجري بقوة مربّ واحد كريم مطلق. وبأمر مدبّر واحد حكيم مطلق الحكمة". (2)

ولم يغب عن بال النورسي قط أن تجليات أسماء الله وصفاته، وإن أوصلت المخلوق إلى حد الحضور المستهدي الذي لا يجد معه مفرًا من الاعتراف والإقرار بألوهية الحق عز وجل، إلا أنها في كل الأحوال شهادة من الله وذلك تحقيقًا لقوله تعالى.

(1) - المصدرالسابق ص 784

(2) - المصدر السابق ص 338

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت