الصفحة 550 من 3036

والنتيجة المترتبة على هذا الاتحاد الفريد هو تجرد الأحدية والواحدية عن التجلى والظهور بمقتضيات الاسم، فترد دومًا كأخص مظهر من مظاهر الذات الإلهية ومتقدمة في الاعتبار على الاسم، ومرجع ذلك كله إلى أن مدلول الأحدية لم ينفصل عن الذات انفصالًا يحقق لها نسبة بها تظهر على مرآة الوجود، بل اتحدت مع الذات اتحادًا نالت بموجبه ما للذات من أحكام، واكتسبت المعاني نفسها التي للأُلوهية كاستغنائه تعالى عن الكل، واحتياج الكل إليه، وتفرده عن غيره ذاتًا وصفاتٍ وأفعالًا، وانفراده عن المثل والنظير والتشبيه إلى غيرها من المعاني التي عرّف الله تعالى بها ذاته للخلق.

بيد أن الحكم على الذات بالأحدية والواحدية والوحدانية هو في حد ذاته نسبة، ولكنها نسبة تتجلى وتظهر على الوجود والمخلوقات بمقتضى كونه أحدًا وواحدًا، وحين تنعكس حقائق الأُلوهية بذلك الحكم الأحدي، وتتجلى على مرآة الوجود الخارجي تظهر باسم الفرد، وهو الاسم الذي يرى فيه النورسي أنه"يتضمن اسم الأحد والواحد" (1) وله نسبة ومقتضى كسائر أسماء الله الحسنى.

لأجل ذلك يذهب النورسي (2) إلى أن تجلى الفردية هو وحده الذي طبع الوجود كله بطابع الأحدية والواحدية والوحدانية، بدءًا من الكون الكبير إلى أقل جزء منه، وظهرت بصمات الفردية على كل نوع فيه، وعلى كل فرد فيه، فتحول الكون كله بحكم الكل الذي لا يقبل التجزئة مطلقًا، بحيث إن من لا يقدر على أن يتصرف في الكون كله لا يكون أن يكون مالكًا ملكًا حقيقيًا لأي جزء منه، ومن لم يكن مالكًا لجميع ما في الكون لا يمكنه أن يتصرف بنوع منه أو عنصر فيه تصرفًا حقيقيًا.

(1) - اللمعات- النورسي ص 537

(2) - المصدر السابق ص 540 و 543.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت