فهرس الكتاب
وتجلّى الفردية على الوجود فوق كونه واضحًا وضوحًا مطلقًا هو أيضًا فطرى وبسيط ومقبول إلى حد السهولة المطلقة، ومستساغ عقلًا ومنطقًا إلى حد الوجوب، وعلى النقيض منه تمامًا الشرك المنافى لذلك التجلى الفريد، لأن الشرك من الأمور المعقدة إلى أقصى حدود التعقيد، وغير منطقي إطلاقًا، وبعيد جدًا عن المعقول إلى حد الامتناع والمحال.
وتتجلى الفردية في أنصع صورها وأشكالها، وتظهر بأسمى معانيها في سهولة خلق الموجودات، واليسر المتناهي في إيجادها، فتخرج إلى الوجود من دون صعوبة، وبلا عناء أو تكلف، وعلى أكمل صورة وأتمها، أمّا إذا فُوّض أمر الخلق والإيجاد إلى غير الفردية والوحدانية، وأسند إلى الأسباب العمياء أو الطبيعة الهوجاء، والصدفة العشوائية، فستتعقد الأمور وتتشابك، وتتكشف على صفحة الوجود أمور ليست معقولة ولا منطقية، وعندئذ كما يقول النورسي:
يلزم لخلق ذبابة واحدة مسح وتفتيش سطح الأرض وغربلة عناصرها وذراتها جميعًا، ثم وزنها بميزان دقيق حساس، لوضع كل ذرة في موضعها المخصص لها، حسب قوالب مادية بعدد أجهزتها وأعضائها المتقنة، وذلك لكي يأخذ كل شيء مكانه اللائق به، فضلًا عن جلب المشاعر والأحاسيس الروحية الدقيقة واللطائف المعنوية والروحية بعد وزنها أيضًا بميزان دقيق حسب حاجة الذبابة، (1)
فمن الأُمور السهلة والهيئة إذن على قدرة الله الواحد الأحد"خلق أعظم جرم، وخلق أصغر شيء على حد سواء، فهو تعالى يخلق الربيع الشاسع بيسر خلق زهرة واحدة، ويحدث في كل ربيع بسهولة بالغة آلافًا من نماذج الحشر والنشور، ويراعى شجرة ضخمة باسقة بيسر مراعاة فاكهة صغيرة" (2)
(1) - المصدر السابق ص 547.
(2) - المصدر السابق ص 544.