فهرس الكتاب
ويضفي تجلى الفردية على الكون والمخلوقات من النجوم والنباتات والحيوانات والأرض وحتى الجزئيات والذرات نظامًا متقنًا وكمالًا فريدًا وانسجامًا بديعًا، ولو كان هناك أي تدخل لما سوى الله لفسد هذا النظام الدقيق ولاختل ذلك التوازن المحكم. ولظهرت بادية للعيان. وقوله تعالى (فَارْجِعْ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ) (1) يكشف بجلاء هذا النظام والتوازن. فيقول النورسي:
"إن الذي يتأمل في هذا الكون في ضوء سر الفردية يرى الكون واحدًا يستعصى على التجزئة مطلقًا ، وليس هذا فحسب بل هو كليّ لا يقبل الانقسام والاشتراك والتجزئة وتدخّل الأيدي المتعددة قط، فأي تدخل فيه مما سوى الواحد الأحد محال ممتنع، إذ إن كل جزء فيه بحكم جزئي وفردي، والكون هو بحكم الكلي، فليس فيه موضع للاشتراك في أية جهة كانت" (2)
ويساوق النظام المتقن والانتظام الرائع والموازنة الدقيقة التدبير والإدارة، لأن من لا يدبر المخلوقات كافة، ولا يدير شئونها وأحوالها، لا يمكنه التدخل المباشر في أمر من أُمورها ناهيك عن خلقها وإيجادها، يقول النورسي لافتًا النظر إلى هذا الأمر:
"تأمل في هذه البُسُط المفروشة على الأرض التي لحمتها وسداها مئتا ألف طائفة ونوع من أنواع الحيوانات وطوائف النباتات بأفرادها المتنوعة التي لا يعد ولا تحصى والتي تضفي الزينة وتنشر البهجة على نسيج الحياة على سطح الأرض، تأملها جيدًا وأدِم النظر فيها، فإنها مع اختلاف أشكالها. وتباين وظائفها، وتنوع أجهزتها، وامتزاجها بعضها مع البعض الآخر تشاهد:"
أَنَّ رزق كل ذي حياة يأتيه رغدًا من كل مكان ومن حيث لا يحتسب بلا سهو ولا نسيان. بلا انشغال ولا ارتباك، بلا خطأ ولا التباس ، فيعطى بميزان دقيق حساس كل ما يحتاجه الفرد، في وقته المناسب، من دون تكلّف ولا تكليف، مع تمييز لكل منها" (3) "
(1) - الملك: 3.
(2) - اللمعات - النورسي ص 551.
(3) - المصدر السابق ص 540-541.