فهرس الكتاب
"إِنَّ خالق الكون سبحانه وتعالى إذ يعرَّف نفسه لذوى الحياة ويحببها إليهم بنعمه التي لا تعد ولا تحصى يطلب منهم شكرهم تجاه تلك النعم، ومحبتهم إِزاء تلك المحبة، وثناءهم واستحسانهم مقابل بدائع صنعه، وطاعتهم وعبوديتهم تجاه أَوامره الربانية، فيكون الشكر والعبادة أعظم غاية لجميع أنواع الحياة ."
إِن العبادة خاصة لله وحده، وإِن الشكر والحمد لا يليقان حقًا إلا به سبحانه، وإِن ما في الحياة من شؤون وأُمور هي في قبضة تصرفه وحده . فينفى بهذا الوسائط والأَسباب مسلمًا الحياة بما فيها إلى يد القدرة الإلهية. نعم إن الذي يدعو إلى الشكر والحمد والامتنان، والذي يثير الشعور إلى المحبة والثناء بعد نعمة الحياة، إنما هو الرزق والشفاء والغيث. وأمثالها من دواعي الشكر والحمد ." (1) "
فاذا كانت تلك وغيرها من خصائص الحياة ونتائجها. فإن حقيقة الحياة - كما رأى النورسي - مهما علت وعظمت لا تنحصر في هذه الدنيا قصيرة الأجل ، والتي يكتنفها النقص والأَلم من كل ناحية ، بل لابد من حياة أخرى سعيدة لا شقاءَ فيها مطلقًا، ونعيمها دائم لا يزول أَبدًا . ولو لم يكن الأَمر هكذا لأصبحت الحياة الدنيا ولا سيما بالنسبة للإنسان دون ثمرة ولا فائدة ولا حقيقة . ولظل الإنسان شقيًا وذليلًا ، وأَحط من العصفور بعشرين درجة، مع أنه أسمى مخلوق، وأكرم ذوى الحياة، وأرفع من العصفور بعشرين درجة، من حيث الأجهزة وراس مال الحياة .
ويصبح العقل الذي هو أثمن نعمة بلاء ومصيبة على الإنسان بتفكره في أحزان الزمان الغابر ومخاوف المستقبل فيعذّب قلب الإنسان دائمًا معكرًا صفو لذة واحدة بتسعة الآم، ولا شك ان هذا باطل، فما دامت في الدنيا حياة، فهناك أيضًا في الآخرة حياة باقية في دار باقية، وفي جنة باقية. (2)
القيوم:
(1) - المصدر السابق ص 562 - 563.
(2) - المصدر السابق ص 564.