الصفحة 560 من 3036

"إننا مثلما نفهم قدرة قيومية من يُسيّر طائرات ضخمة في السماء بمقدار ثبات تلك الكتل الهائلة التي في السماء ودوامها . وبمدى انتظام دورانها وانقيادها في جريها، نفهم أيضًا تجلى اسم القيوم، من منح القيوم ذي الجلال قيامًا وبقاءً ودوامًا لأَجرام سماوية لا حد لها في أثير الفضاء الواسع وجريانها في منتهى الانقياد والنظام والتقدير، وإسنادها وإدارتها وإبقائها دون عمد ولا سند."

وكما أن ذلك يمكن أن يكون مثالًا قياسيًا للتجلى الأعظم لاسم القيوم، كذلك ذرات كل موجود، فإنها قائمة أيضًا بسر القيومية، وتجد دوامها وبقاءها بذلك السر، فبقاء ذرات جسم كل كائن حي دون أن تتبعثر وتجمّعها على هيئة معينة وتركيب معين حسب ما يناسب كل عضو من أعضائه. علاوة على احتفاظها بكيانها وهيئتها أمام سيل العناصر الجارفة دون أن تتشتت، واستمرارها على نظامها المتقن. كل ذلك لا ينشأ من الذرات نفسها، بل هو من سر القيومية الإلهية التي ينقاد لها كل فرد حي انقياد الطابور في الجيش، ويخضع لها كل نوع من أنواع الأحياء خضوع الجيش المنظم" (1) "

ويمتد تجلى القيومية - كما يعقب النورسي إلى أحوال الموجودات وأوضاعها وكيفياتها"إذ لولا استناد كل شيء إلى تلك النقطة النورانية، لنتج ما هو محال من أُلوف الدور والتسلسل، وذلك لأن الحفظ أو الوجود أو الرزق أو ما شابهه من أي شيء كان، إنما يستند - من جهة - إلى شيء آخر، وهذا يستند إلى آخر، وهذا إلى آخر وهكذا، فلا بد من نهاية له، إذ لا يعقل ألا ينتهي بشيء. فمنتهى أمثال هذه السلاسل كلها إنما هو في سر القيومية" (2)

(1) - المصدر السابق ص 580.

(2) - المصدر السابق ص 583.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت