فهرس الكتاب
إنَّ تجلى اسم القيومية كما اتضح يكمن في النسبة الاستنادية والتي ترتبط فيها المخلوقات بخالقها ارتباطًا وثيقًا ومباشرًا، وتجعل كل مخلوق يفتقر دومًا إلى بارئه تعالى. ومقتضى القيومية يطلب هذه النسبة ويحتمها، ولولاها لتلاشت الحياة والموجودات ولتساوى الكل في المعنى بالعدم.
الباقي:
إذا كان القدم في حقه تعالى يعنى استمرار الوجود في الماضى إلى غير نهاية، فبقاؤه تعالى يعنى استمرار وجوده في المستقبل إلى غير نهاية، وتلك خاصية جعلت معنى البقاء أشمل في المعنى من القدم، بل ويحتوى في داخله معنى القدم، وذلك لأن البقاء يعنى ثبات - الله ثبوتًا أَزليًا وابديًا. في حين ينحصر القدم على ناحية واحدة من الوجود البقاء فيها سابق، وهي عدم الأولية.
ويتميز البقاء فوق ذلك بميزة تعد - بلا أدنى شك - من الخواص الذاتية لله تعالى وهي أن اسم القديم إذا أُطلق على الله فلا يفيد اكثر من التقدم في الوجود وعلى سبيل المبالغة، أَمَّا إِطلاق اسم الباقي فيعنى الموجود لا عن حدوث، (1) وهو معنى يصعب توهمه فضلا عن تخيله.
إِن الثبات المطلق والذي يستحيل عليه الفناء لمعنى البقاء قد نبه النورسي على زمانية خاصة لتجلى اسم الباقي لا يدخل فيها عنصرى التغير والحركة. ولا التجدد والانقسام، ومن ثم نحى بمقتضى الاسم ونسبته منحى ذو وجهين:
الأول تجلى فيه الاسم للمخلوقات كافة بحكم نسبتها الاستنادية لله تعالى فصارت بموجب ذلك التجلى باقية لا يعتريها فناء، ولا يلحقها عدم بدءًا من أَبسط المخلوقات وأَضعفها كالزهرة. انتهاءً بالإنسان والملائكة .
الثاني تجلى يحدث على مقدار توجه المخلوق إلى اسم الباقي، وهو تجلى خاص بالإنسان ، ويشاركه فيه من شاركه في صفة المكلَّف كالجن والملائكة، والتوجه هنا توجه حركي يأخذ الطابع التعبدي.
(1) - الفروق في اللغة - أبو هلال العسكري ص 96.